دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٤نسبت إليهم. فالغاية الوحيدة التي توخيناها هي إتاحة الفرصة لهم ليقدّموا أنفسهم إلينا كما يحلوا لهم، ونفهمهم كما يريدوننا أن نفهم، وليس أن نفهمهم كما نريدهم أن يكونوا (فرضا عليهم).
والحق أن ما ورثناه من تعدد المذاهب واختلاف الفرق والنحل يجب ألا نعتز به. بل علينا أن نعتبره ظاهرة سلبية تستحق المحاربة لا الاعتناء بها، علنا نوحد صفوفنا. نعم .. ومما لا شك فيه أن هذه الفرق أصبحت ذات أصالة تاريخية ومن الصعوبة استئصالها من شأفتها. غير أن (الإسلام بلا مذاهب) زعيم بالقضاء على ظاهرة التشرذم هذه، لو اعتنى بهذه الفكرة، فلم الاستمرار في تدريس التلاميذ مشاكل الفرق. بل لأسماء فرق لم توجد، ولم تكن يوما إلا في أسعار الكتب من وحي كاتبها، دفعتهم إلى إيجادها دوافع لا تعنينا نحن اليوم، والتمسك بتلك الأقوال، وكأنها ماء ذهب أو ذائب ماس.
أليست هذه أساليب تحجير لعقول الشباب المسلم؟ فوالله إنها لهي الرجعية بتفاصيلها.
فالإباضية – على ضوء ما تقدم – ليسوا بخوارج، بل هم مذهب كأي مذهب إسلامي آخر، وإن كان هناك قاسم مشترك بين الإباضية والخوارج فهو ظهورهما إلى حيز الوجود في وقت واحد تقريبا، وظهورهما إلى النور انبثاقا من قضية واحدة، وقاسم مشترك. ألا وهو " رفض التحكيم "؛ وعد إقرار شرعية الحكم الأموي المتمخض عن تمرد معاوية على الإمام الشرعي المنتخب بالشورى نصا (أي الإمام علي) غير أنهما مختلفان باختلاف آرائهما ومبادئهما. بل لقد حارب بعضهم بعضا.
والحق أن علاقة الإباضية بالخوارج كالعلاقة بين الاشتراكية، والشيوعية، مثلا، ولا أعتقدها مقارنة بعيدة الاحتمال سينكرها القارئ عليّ، فبينما نرى في المفهوم الرأسمالي أن الاشتراكية والشيوعية موضوعتان في طابور واحد – رأسماليا – لتشابه المبادئ والبرامج، نتيجة تشابه الظروف الممهدة لولادة هذه المبادئ. فإننا نعلم ونعترف أن الشيوعية غير الاشتراكية، ولا يغرنا تشابه النزعة بينهما – نسبيا – والقاسم المشترك الوحيد بينهما هو رفض الفكر الرأسمالي ذي النزعة الاحتكارية.