دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٥فلا أحد منا ينكر اشتراكية جمال عبد الناصر – مثلا – غير أنه لا أحد في الوقت نفسه يتهمه بالشيوعية. لقد رأيناه عنيفا ضد مناوئ البرنامج الاشتراكي في بلاده، ولقد رأيناه – أيضا – حربا على الشيوعيين في مصر وزجهم في السجون وأودعهم غياهبها. وعامل المعسكر الاشتراكي معاملة صديق وزميل في درب الكفاح، لقاسم مشترك بينهما وهو " اليسارية " ورفض الفكر الرأسمالي ذي الجذور الإمبريالية، ولم نتهمه بالتناقض في السلوك، أو الشيوعية البحتة لاستعداد نفسي وثقافي فينا لتفهم موقفه وتفهم الفرق بين الاشتراكية والشيوعية (فلم، إذاً، لا يكون لدينا نفس الاستعداد الثقافي والنفسي لتفهم دوافع المواقف لمختلفة الفرق تاريخيا؟ ثم تفهم سبب اختلاف آرائها في الاعتقادات الأيديولوجية؟
والحق أننا لو ألقينا نظرة على العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، واستعرضنا الأنظمة الحاكمة فيها، لألفينا معظمها اشتراكية الاتجاه والنزعة، في حين أنها ترفض الشيوعية، بل تحاربها بصدق وإخلاص، ولا أحد يصر على تسميتها " أنظمة شيوعية " لإدراك الناس الفرق بين الشيوعية والاشتراكية إدراكا واضحا. وهكذا فقس العلاقة – أيامئذ – في التاريخ السحيق بين الفرق " الخوارج " و" الإباضية " و" التشيع " و" السفيانية " (الولاء لبني أمية) لأن كل هذه الفرق ولدت من أب واحد، وهو اختلاف الناس بعد مقتل ذي النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ثم مبايعة الناس أبا السبطين علي بن أبي طالب وتمرد أبي يزيد معاوية، وما واكبها من أحداث وحروب وفتن الخ ..
فبادئ الأمر كان كل من الإباضية والخوارج والشيعة في صف الإمام علي، تحارب الفئة الباغية " معاوية وعمرو ومن معهما ". وعندما نجحت الحيل السياسية التي نسجها عمرو لمعاوية " كخداع "، لعلي، تزعزع معسكر الإمام علي – وكان ذلك هو قصد عمرو وراء فكرة التحكيم هذه – فانقسم أتباعه إلى قسمين: قابلة للتحكيم ورافضة له، قابلة للتحكيم باعتباره احتكاما إلى قاضي القضاة " القرآن الكريم " فالظاهر أن هذه الفرقة لم تتصور في أن أحدا يجرؤ على اتخاذ القرآن محل مناورة سياسية قصد إحراز نصر دنيوي خالص ومكاسب سياسية بحتة، إلا أن الفرقة الأخرى الرافضة، لم تنطل عليها هذه الحبكة، فأدركت أن وراء الأكمة ما