دراسة في الفكر الإباضي عمر بن الحاج محمد صالح با [دارس عن الإباضية]

دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٧

وهنا قامت المجموعة الرافضة التحكيم بشدة، إلى تقليد أحدهم منصب " الخلافة "، وهو عبد الله بن وهب الراسبي بدون أن ينتظروا نتائج التحكيم، لأنهم – مبدئيا – رافضون لخلافة معاوية، وزعامته على المسلمين. فلم يكن هناك، بالنسبة إليهم، ضرورة تدعو إلى التريث لحين معرفة المنتصر، وثبت في مفهوم المحكمة، أن الإمام الشرعي قد تنازل عن حقه قبل إجراء انتخاب جديد – بدون شروط مسبقة – وعليه فلم تعد بيعته على عواتقهم.

ويبدو أن قوما آخرين قد تخلوا عن الإمام اثر قبوله التحكيم وانهزامه في نتيجة الاحتكام فضلا عن الخوارج والإباضية.

غير أن قوما كانوا يتعاطفون مع الإمام مائة في المائة، ويناصرونه سرا وجهرة، مناصرة مطلقة، فهم قد ظلوا واقفين معه، مدافعين عنه، لا يتأثرون بأي مؤثر خارجي طارئ، فهم معه معية صادقة وكاملة، لا يراجعونه فيما يقبل أو يرفض، لأنه – في نظرهم – لا يقبل شيئا إلا بحكمة ولا يرفض آخر إلا لسبب. فهؤلاء هم الذين بقوا له شيعة وأتباعا مخلصين له ولذريته من بعده ومازالوا له شيعة، وما زال لهم إماما حيا في قلوبهم " لا مغمز في الإمام ".

غير أن حادثة الانشقاق عنه لم تتوقف، بل لقد استمرت حوادث الانشقاق بين أتباع القدامى – سواء الموالين له، أو الخارجين عليه – فأصبحت ظاهرة مألوفة فيهم، وكأن الله ابتلاهم بها. فالخوارج انشق عنهم الإباضية فأصبحوا يشكلون فرقة خاصة بهم، بعيدة عن الفكر الخارجي. والخوارج الغلاة أنفسهم مضوا ينشق بعضهم عن بعض إلى أن بلغوا فرقا متناوئة ومتقاتلة، ولا أعتقد أن الإباضية نفسها قد سلمت من طاعون الانشقاق هذا، وإن كان بصورة غير حادة، فأصبح لها فرق – وفي الواقع فرق إباضية لا ينكرها الإباضيون لعدم وجود خلاف جوهري بينهم (1) – وشيعة الإمام علي أنفسهم لم يسلموا من وباء الانقسام هذا فانقسموا إلى زيدية وإسماعيلية واثنا عشرية الخ .. على أن التشيع للإمام والولاء له حيا وميتا هو القاسم المشترك بينهم كشيعة.

٧٧ / ١١٤