دراسة في الفكر الإباضي لعمر با - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩بطبيعتها المحددة والمرسومة لا تستطيع أن تقدم دراسة مفصلة تفي بالغرض بيد أن المعلومات العامة التي درسناها عن الفرق أتاحت لي فرصة تعميق المدارك فيها حيث وجدتني مولعا بالمطالعة لكل شيء يتصل بالفرق؛ فدراسة الفرق تثير الفضول لدراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تحليلية؛ ونظرا إلى كون لبنان – وربما أيامئذ – المركز الثقافي في الشرق الأوسط، فإن الكتب والمراجع هي في متناول يد كل من له شغف من التزود بالعلم، وما على المرء إلا أن يرتاد المكتبات، وما أكثرها.
غير أني لم أكن في الحقيقة خالي الذهن تماما عن بعض هذه الفرق الإسلامية، وبخاصة " الشيعة "؛ وهنا بدأت أقرأ عن التشيع لأن الشيعة ألمع الفرق، وأكثرها إثارة؛ وما فتح الباب أمامي وجود مدرسة شيعية تابعة للإمام موسى الصدر في مدينة صور، بأن وجود مجموعة من التلاميذ الأفارقة من " غرب إفريقيا " فيها؛ وهو أمر أتاح لي فرصة زيارة هذه المدرسة مرات متتالية، وفي أول الأمر كنت أتصرف مع جو المدرسة بشيء من التحفظ والحذر، بل عدم الاهتمام، غير أني يوما – في إحدى زياراتي لها – رأيت شيخا من شيوخهم يدرس النحو " ألفية بن مالك " بشرح وتعليق أعجباني، ورأسه مكور بعمامة سوداء كعادة الشيعة؛ فأنا تلميذ مشغوف ومغرم بقواعد اللغة العربية، فجلست في أخريات الجالسين أستمع منصتا، والشيخ لا يحمل كتابا ولا ينظر إلى قرطاس، أو سبورة، وكأنما الشواهد النحوية منقوشة في ذهنه نقشا، ومحفورة في ذاكرته حفرا، فحينما يستشهد ببيت شعر جاهلي.
ثم يتلو القصيدة التي فيها البيت برمتها، بدون ما داع، وطورا يستحضر آية قرآنية، وربما انساب لسانه فيها انسيابا، حتى آخر السورة، فتارة يقول: قال الأشموني كذا في هذه المسألة، قال المكودي كذا فيها، قال ابن عقيل كذا فيها، وقال ابن هشام فيها كذا، وأما السيوطي في ألفيته، فإنه يقول كذا وكذا؛ ويقوم تلميذ النحو ويحل محله تلميذ المنطق، فإذا الشيخ في المنطق منطقي أكثر منه في النحو نحويا؛ يشرح ويفصل في المقدمات: صغراها وكبراها، ونتائجها ومحمولها، ومصورها، ومصدقها، ودالها ومدلولها، وكأنها اصطلاحات من صنع يديه، لم يسبقه إليها سابق؛ فإذا أنا أجدني منساقا بالتسليم عليه باحترام جم، وابتسم لي فقال: كأني بك ضيفا، ليس لي سابق عهد برؤيتك هنا؟ قلت أي إنك لصادق،