أحكام الانتفاع بالعارية في الفقه الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٢٣إن عقد الإعارة عقد يقتضي نقل منفعة العين من المعير إلى المستعير نقلا غير مؤبد، واختلف الفقهاء
في نوع هذا النقل للمنفعة، فذهب فريق من أهل العلم إلى أن عقد الإعارة تمليك للمنفعة، وذهب الفريق الآخر إلى أن عقد الإعارة إنما هو تمليك للانتفاع، ولهذا الخلاف ثمرته الفقهية المترتبة عنه.
وقبل أن ندخل في تفصيل الخلاف يجدر بنا أولا أن نتكلم عن الفرق بين تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع، و بيان آثار كل قسم منهما.
المطلب الأول: الفرق بين تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع
63
أفرد القرافي بابا في فروقه بحث فيه الفرق بين هاتين القاعدتين فقال: "فتمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه ويُمَكِّن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية، مثال الأول: سكنى المدارس والرباط والمجالس في الجوامع والمساجد والأسواق ومواضع النسك كالمطاف والمسعى ونحو ذلك، فله أن ينتفع بنفسه فقط، ولو حاول أن يؤاجر بيت المدرسة أو يسكن غيره أو يعاوض عليه بطريق من طرق المعاوضات امتنع ذلك، وكذلك بقية النظائر المذكورة معه، وأما مالك المنفعة فكمن استأجر دارا أو استعارها فله أن يؤاجرها من غيره أو يسكنه بغير عوض، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف الملاك في أملاكهم على جري العادة على الوجه الذي ملكه، فهو تمليك مطلق في زمن خاص"
ومن كلام القرافي يمكننا أن نستخلص ما يلي:
6411
أولا: أن هناك فرقا بين تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع، ويترتب على هذا الفرق اختلاف بينهما في الأحكام، فليس مجرد اختلاف لفظي.
ثانيا: تمليك الانتفاع أو كما يعبر عنه كثير من العلماء بإباحة المنفعة- هو الإذن بمباشرة استعمال المنفعة للمأذون له أو من يقوم مقامه، وليس له أن يُمكّن غيره من أن ينتفع بها، ومثال ذلك سكنى بعض المدارس التي
63
هو
أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، لقبه شهاب الدين، وكنيته أبو العباس (ت 684هـ / 1285م) لها مؤلفات عدة، منها كتاب الذخيرة، وكتاب أنوار البروق في أنواء الفروق. ينظر: الزركلي، الأعلام، ج ?، ص 94. القرافي، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن (ت: (648)، الفروق: أنوار البروق في أنواء الفروق، عالم الكتب، الرياض، دط، دت، ج?،
64
ص ???.