أحكام الانتفاع بالعارية في الفقه الإسلامي السابقي، زاهر بن سعيد بن محمد

أحكام الانتفاع بالعارية في الفقه الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

القول الأول: جواز إيداع المستعير للعارية، وذهب إلى هذا القول أكثر الحنفية 164 وهو ظاهر ما ذهب إليه

177

الإباضية 165 والمالكية 166 والشافعية 167 والحنابلة 168؛ إذ إنهم يقولون بجواز التوكيل في استيفاء منفعة العارية، والإيداع داخل في التوكيل، فلما جاز للمعير أن يوكل من يستوفي منفعة العارية، جاز كذلك أن يوكل من يودع العارية ويدخرها، بل التوكيل بالإيداع أولى بالجواز من التوكيل بالاستيفاء، لأنه مجرد حفظ للعارية، بينما التوكيل بالاستيفاء استعمال للعارية، وحفظ العارية أدعى لسلامتها من استعمالها.

القول الثاني: لا يجوز للمستعير أن يودع عاريته، وممن ذهب إلى هذا القول يعض الحنفية169،، ورجحه الكرخي والباقلاني، يقول الباقلاني: "هذا القول أصح؛ لأن الإيداع تصرف في ملك الغير –وهو العين- بغير إذنه قصدا، فلا يجوز، بخلاف الإعارة؛ لأنه تصرف في المنفعة قصدا، وتسليم العين من ضروراته، فافترقا"170. ومعنى استدلال الباقلاني أن إعارة العارية جازت ولم يجز الإيداع؛ لأن إعارتها متوجهة للمنفعة التي يملكها المستعير، فهي في إطار ما يملك، وما فيها من نقل العين إنما هو لضرورة تمليك المنفعة وليس مقصودا لذاته، بينما لم يجز فيها الإيداع؛ لأنه تصرف من المستعير متوجه قصدا للعين، وهو لا يملك العين أصلا، فهو تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملك غير صحيح.

ويمكننا مناقشة هذا الاستدلال بأن العبرة ليست فيما هو مقصود عمدا من التصرف، وإنما العبرة بأثر التصرف على العين المستعارة، فكل ما كان أقرب إلى سلامة العارية كان أقرب إلى الجواز، فإذا كان التصرف الأعلى جائزا للمستعير فما دونه داخل من باب أولى، فإعارة العارية التي يجيزونها أعلى في التصرف من إيداعها؛

لأن الإعارة تسليط للانتفاع، بينما الإيداع محصور بالحفظ والصيانة فقط.

164

ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج ?، ص??.

ينظر: أطفيش، شرح النيل، ج??، ص???.

166 ينظر: الحطاب مواهب الجليل، ج 5، ص 268،269. 167 ينظر: النووي، منهاج الطالبين، ج 1، ص 144.

168

179

???

ينظر: العاصمي، الإحكام، ج?، ص 248.

ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج ?، ص??.

الزيلعي، تبيين الحقائق، ج ?، ص??.

45