إعداد الواعظ وتنميته مهنيا وتقنيا
الجزء ١ · صفحة ٤٥-3
القدوة الحسنة:
"إن القدوة الحسنة هي المثل العليا عند البشر، وهذا يعني أن يكون الواعظ صورة صادقة لكل ما يدعو إليه ويريد أن يغرسه في قلوب الناس، فلا يخالف أقواله بأفعاله. فالداعية الموفق الناجح هو الذي يهدي إلى الحق بعمله وإن لم ينطق بكلمة؛ لأنه مثل حي متحرك للمبادئ التي يعتنقها". فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل، ويصير ذلك الوعظ سببا للرغبة في المعصية، لأنه يقال: لولا اطلاع الواعظ على أن لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المعصية، فتكون النفس نافرة عن قبول وعظ من لم يتعظ، وأنشدوا:
مواعظ الواعظ لن تقبلا
يعيها قلبه أولاً.
"فالبشر بطبيعتهم الفطرية ينفرون من الذي يعظهم بقوله عن أهمية الأمانة والصدق، وهو بعيد عن الالتزام بواجبات الإسلام وتكاليفه، فإنه بذلك يكون فتنة للناس، فيصرفهم بسلوكه عن دين الله. فإن الوعظ بلسان الفعل أتم منه بلسان القول "3. والله تعالى حذرنا من ذلك بقوله: يا أَيُّها الذين آمنوا لم تَقُولُونَ ما لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبر مقتا عندَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا مَقْتًا تفعلون} [سورة الصف الآية: 32]. فينبغي لمن أراد الوعظ بفضل شيء أو غيره أن يعمل به قبل، لتقبله القلوب، ولئلا يدخل في هؤلاء الآيات الثلاث "4. "فإن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم، لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين
المتناقضين
،
وذلك
لا
يليق
1 - د/ مشرح علي أحمد دراسات في الدعوة وطرق الاتصال، ص)
.199
2 - محمد بن يوسف بن علي الأندلسي، البحر المحيط، ج 1 ص 243.
3 - محمد بن عمر بن الحسن الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ج 10 ص 489. 4 - محمد بن يوسف، اطفيش، تيسير التفسير، ج.
11
ص
.171
5 – محمد بن عمر بن الحسن الرازي، تفسير مفاتيح الغيب، ج 2 ص 72.
44
بأفعال
العقلاء "5.