قراءات في فكر الشقصي
الجزء ١ · صفحة ١٤٨بقوله: (هن لباس لكم وانتم لباس لهن) وقوله: (علم الله أنكم … فالآن باشروهن).: (ابتغوا ما كتب الله لكم … ) فالآية ((باشروهن)) خصصت بـ (ولا تباشروهن وانتم عاكفون في المساجد). فالبيان والتخصيص هو الغالب في العلاقات بين الآيات، إذ بدأت بعموم، ثم خصصت
وبينت، وهذا أحد أسباب ادعاء النسخ، اعني الخلط بين التخصيص والنسخ والبيان. واختم الكلام على هذه الآية بقول إمام المفسرين الطبري في تفسيره لهذه الآية إذ يقول: إن الآيات المذكورة في الصوم كلها محكمة، ومن أبواب متفرقة، لا يعارض أحدها الأخر، فلا نسخ فيها، ومن زعم أن الآية منسوخة فزعمه باطل، لانه لم يحدث وجود ما لهذا التمييز، والآيات كانت ولا تزال محكمة.
ومما يقوله شيخنا: ان النسخ يقع في الأمر والنهي، ولا يجوز في الخبر، ولا يجوز أن يخبر الله عن شئ أن يكون ثم يقول: لا يكون أو يقول: بانه لا يكون ثم انه يكون، تعالى الله. عن ذلك علوا
كبيرا (1).
مذهب جمهور الأصوليين على ما ذهب إليه الشيخ الشقصي من أن النسخ لا يدخل في الأخبار التي ليست بمعنى الأمر والنهي (2).
ومما يذهب إليه الشيخ قوله بنسخ القرآن بالسنة، وهو خلاف التحقيق، وقد بينا ذلك أيضا في رسالتنا الآنفة الذكر، حين رددنا على القائلين بهذا القول بكلام حاصل ما فيه: أن الظني من الحديث لا ينسخ القطعي منه فكيف ينسخ القرآن وكله قطعي .. وقد قال الإمام الشافعي في الرسالة: انه لا يجوز نسخ حكم من كتاب الله بحديث مهما تكن درجته، لان للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره، فصفوة القول: أن نسخ القرآن الكريم بالسنة النبوية مطلقا غير واقع في الشريعة الإسلامية غير انه يبقى للمجيزين دليل العقل، وهذا لا قدح فيه إذ العقل طليق في تصوراته وأحكامه ولا يلزم من تجويز العقل وقوعه في الشرع، لان دائرة الإمكان العقلي أوسع من دائرة
(1) منهج الطالبين (266/ 1).
(2) انظر تفصيل هذه المسألة: فواتح الرحموت (75/ 2) - حاشية البناني (87/ 2) العدل والانصاف: (64/ 1 - 165).
148