قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٢١ولكن الشيخ أبا نبهان يحب الاحتياط للمسلم، وأن لا يتبع المؤمن الرخص كما سلف، بل يتحرى لنفسه الخروج من الخلاف ما أمكن فمن ذلك قوله: (ونحب لمن استنصحنا وأحب أن يناصح نفسه أن يأخذ في جميع أموره بالوثيقة ما قدر لا سيما في الفروج، وأن يتبع في ذلك بالحلال الصرف العاري من الاختلاف) (1). وبجانب هذا فإن الشيخ يعيب على من يمنع الضعفاء من الأخذ بأي قول من أقوال المسلمين إذا كانوا لم يبلغوا درجة الاجتهاد، أما المجتهد فعليه أن يتحرى أعدل الأقوال، وبهذا جاء الأثر عن السلف وفي ذلك يقول معيباً على المانع: (وعلى الحاكم أن يحكم بينهما بما يراه من الرأي أنه على اجتهاد منه انه اصوب كذلك على كل عامل أن يعمل بما يراه من الرأي إلى الحق أقرب، وليس عليه فيما عليه أن يعدل عنه إلى غيره من الآراء ميلا إلى الرخصة، ولا يميل غيره إليه، إلا أن يراه الأهدى والأصح والأقوى والأرجح، خلافاً لما قاله هذا القائل إنه لا يجوز للناس أن يتعلق كل واحد منهم بقول، وما أبعده عن الصحيح وأحراه بالابعاد والطرح، لأنه في غاية البعد عمّا قال به في هذا أهل العلم والبصر، إذ لم نكن نرى له أشباها ينقاس بها في الأثر، كلا؛ ولا ينساغ هذا في حكم النظر (2).
وأما القول بغير حجة فيبطله الشيخ، إذ لا بد لكل قول من مستند يستند إليه قائله، أو علة سوغت قياس الحكم على أمر بالحكم على أمر آخر سابق له، وعلى هذا فما كان غير مستند إلى دليل فهو باطل عنده ولا يصوبه (3).
وأحياناً يتوقف فيما لم تظهر له فيه الحجة أو فيه شبهة من الفهم أو كان من أمر الغيب فهو يقول: (ونحن فليس لنا أن نتعاطى ما لم يؤذن لنا به ولا علينا أن نتكلف علم شيء مما غاب عنا علمه مما لا دليل عليه ولا سبيل إليه لمعنى الاحاطة به الخ) (4).
أما القول بالدين في موضع الرأي ضلال والعكس كذلك فلا يجوز أن يفتي ولا أن يحكم في موضع كل واحد منهما بحكم الآخر، وقد ألح الشيخ أبو نبهان على ذلك كثيراً في كثير من نصوص كلامه، وكرر كثيراً وجوب التفريق بينهما، وقال: إن الدين هو ما جاء منصوصاً به في الأصول الثلاثة، وما عداه فيسع فيه الرأي ولا يجوز أن يحجر فيه على الناس النظر والاجتهاد (ه).
اتباع السلف ما أمكن: ومع مكانة الشيخ العلمية العالية، وقدرته الفائقة على الاجتهاد واستخراج الأحكام إلا أنه كثيراً يتعلق باتباع السلف من مشايخ أهل الاستقامة في الدين الذين شهد لهم التاريخ بالمرتبة الكبرى من العلم والورع، ولا يحب مخالفتهم ما وجد إلى ذلك سبيلا (6).
اللهم إلا إذا رأى ما يوجب مخالفة من تقدمه لحجة ظاهرة لا يستطيع الحياد عنها فإنه مع الدليل
1 - نفس المصدر نفس المصدر: 426، 427
نفس المصدر: 63، 91، 103، 145، 197
- نفس المصدر: 197
ه نفس المصدر: 54، 76، 103، 159، 168، 197، 201، 205، 304، 418، 426، 474، 495، 591 6 - نفس المصدر: 10، 27، 424، 451، 598 600
- ITI-