قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا»، وقد عُرف الفقه عند الفقهاء والأصوليين بكثير من التعريفات

الأخرى.

أما الاجتهاد فهو من حيث الدلالة اللغوية بذل غاية الجهد في الشيء، وأما من حيث الدلالة الشرعية فالاجتهاد هو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع، أي في تحصيل حكم حادثة لم يسبق النص عليها من حيث الادلة الشرعية النصية وإنما تحمل على ما يشابهها أو يستنبط لها الحكم من الأدلة التي ليست نصية في الموضوع. والاجتهاد ليس هو أمراً ميسوراً لكل أحد، إذ لو كان الأمر كذلك لكان كل أحد بإمكانه ان يصل إلى مصاف العلماء المجتهدين فيتحدث من تلقاء نفسه عما يراه من الأحكام الشرعية في القضايا الاجتهادية ولكن ذلك أمر موكول إلى الفقهاء الذين رسخت أقدامهم في العلم وهم الذين سماهم الله. سبحانه وتعالى - أولي الأمر عندما قال ـ عز وجل - ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (1) أي الذين لهم المقدرة على الاستنباط. والسلف الصالح وهم صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليهم، والتابعون لهم بإحسان كانوا على درجة عالية من الفهم والادراك، فهم قبل كل شيء كانوا عربا اقحاحا؛ فكانوا يعرفون مقاصد القرآن الكريم من خلال تلاوتهم له، ثم بجانب ذلك قد شرفوا إما بمجالسة الرسول. صلى الله عليه وسلم - وإما بالتلقي عن من جالس الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلذلك كان بإمكانهم أن يجتهدوا في النوازل المختلفة ويعطوا الحكم الشرعي فيها، وقد حصل الاجتهاد في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه وأقر المجتهدين على ما وصلوا إليه من اجتهاد. من ذلك، أن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام أمر الصحابة رضوان الله عليهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة عندما كانت منهم الخيانة في معركة الاحزاب فذهب الصحابة - رضوان الله عليهم - اليهم إلا أن الوقت لم يسعفهم وقد كان ذلك لحكمة لأن الله - سبحانه وتعالى - أراد لهذه الأمة أن تكون أمة لها فكر ونظر، والنبي - صلى الله عليه وسلم يقر كل أحد على ما وصل إليه من الاجتهاد فاختلفوا منهم من رأى أن الصلاة لها حد موقوت لا يجوز تأخيرها عن وقتها وما معنى أمره - صلى الله عليه وسلم - أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة إلا أن يحثوا انفسهم حتى يصلوا إلى هنالك قبل أن يفوت وقت العصر، فعليهم أن يجمعوا ما بين هذا الأمر النبوي وما بين التوقيت الرباني للصلاة. فرأوا أن يصلوا الصلاة لوقتها، ومنهم من رأى أن يأخذ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحسب ما ظهر منه فرأوا تأخير الصلاة إلى أن يصلوا الى بني قريظة.

وقد أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - كل فريق من الفريقين على ما وصل إليه من الفهم. كذلك نجد في كتاب الله - سبحانه وتعالى - اقرار الصحابة رضوان الله عليهم - على ما اختلفوا فيه في أموال بني النضير الخضراء، فمنهم من رأى استئصالها ومنهم رأى ابقاءها لتعود للمسلمين، فأنزل الله - سبحانه وتعالى - في كتابه: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها

فبإذن الله) (2)

(1) الآية رقم 83 من سورة النساء». (2) الآية رقم 5 من سورة الحشر».

- 133 -