قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٣٥اختلافها كالمتواتر والمستفيض، والاحادي. ثم ان الاحادي ينقسم الى عدة أقسام، فمنه الصحيح لذاته والصحيح لغيره والحسن لذاته والحسن لغيره، ومنه ما دون ذلك، وكذلك معرفة الاجماع ومراتبه، والقياس وعلله وقوادحه، والاستحسان والمصالح المرسلة، وسد الذرائع وهو باب واسع في الفقه الاسلامي، ومقاصد الشرع، وهي مما يعد علماً مستقلاً بحثه كثير من العلماء الراسخين في مؤلفات مستقلة، وما في الكتاب العزيز من مباحث ايضا هو في السنة النبوية ومما يتوقف عليه ايضا الاجتهاد معرفة السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - لانها مفسرة لكثير من المجملات في الكتاب العزيز ويتمكن الانسان من خلال معرفة تواريخ الأحداث التي مرت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام التي صدرت عنه - صلوات الله وسلامه عليه، فإذن الاجتهاد باب واسع، ولا يمكن أن يرقى إلى منصته إلا العلماء الراسخون في العلم الذين أشار إليهم القرآن الكريم بـ (الذين يستنبطونه) وسماهم (أولي الأمر) فهؤلاء هم الذين يستطيعون الاجتهاد في النوازل.
العلماء
ولا ريب أن العلماء المجتهدين عندما يواجهون الجماهير بأراء جديدة في قضايا ألفوا فيها القول بخلاف ما وصل اليه المجتهدون يجعل ذلك أولئك الجماهير يثورون في وجوههم؛ لأنهم ألفوا رأيا معينا أفتاهم به العلماء السابقون، فهم يسيرون عليه، وهنا تكون المعركة والمواجهة ما بين ا المجتهدين والجماهير الجامدين المقلدين وخصوصا أولئك الذين يعرفون بأنصاف المتعلمين؛ فإنهم سرعان ما ينكرون على أهل العلم اجتهادهم، ويرون أنهم جاءوا بشيء ادّ منكر وكثيرا ما ينسبون إليهم أنهم خرقوا الاجماع.
والامام أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (رحمه الله) هو احد أولئك العلماء المجتهدين، لأنه كان ضليعا بالفقه الاسلامي وكان على معرفة راسخة بأصول الفقه، وبكتاب الله وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم - وسيرته، وكان صاحب نظر ثاقب يمكنه من معرفة مصالح الأمة مع قياس هذه المصالح على المقاصد الشرعية التي قصدها - الله سبحانه وتعالى - فيما شرع من أحكام وقصدها أيضا نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ فيما جاء به من أحكام، فلذلك كانت بينه وبين الجامدين في عصره مواجهات؛ وتدل على ذلك تلك الكلمات الحماسية الحارة التي نجدها في كتاباته، من ذلك أنه يقول لأحد سائليه: (وإياك أن تلتفت إلى من قال بل إلى ما قال؛ يعني بذلك ان الحق لا يعرف بالرجال وإنما الرجال يعرفون بالحق، فأنت لا تلتفت إلى من قال هذا القول فتقيسه بقدر منزلة القائل، وإنما عليك أن تلتفت إلى ما قاله هل الذي قاله مطابق للأدلة الشرعية أو هو غير مطابق لها.
وقد قام على الجامدين في وقته وحاول ان يقنعهم بسلامة اجتهاداته وصحة ما يقوله وإنه مستند في ذلك كله الى الأدلة الشرعية، وهو - كما قلنا؛ من قبل - على معرفة بالأصول وكان يناقش العلماء المتقدمين في الأصول والفروع، وكما سمعنا في البحث الذي ألقاه الشيخ الدكتور مبارك بن عبد الله الراشدي على هذه المنصة كان خلاف ما بين الشيخ أبي نبهان والأصولي الكبير ابن بركة في قضايا أصوليه فضلا عن القضايا الفرعية من ذلك، أن ابن بركة كان يقول: إن القياس لا يصح إلا على أصل متفق عليه فالقائس عندما يقيس لا بد من ان يكون قياسه على أصل متفق عليه، أما القياس على أصل مختلف فيه فلا.
- 100 -