قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

الزوج لها حق واجب بنص كتاب الله عندما قال الله سبحانه وتعالى -: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) (1) أي في مدة ثلاثة قروء بعولتهن أحق بردهن فما وجه تفويتها على زوجها المطلق لها إن كانت لم تتربص ثلاثة قروء؟ وما وجه عدم تحليلها لمن تريد أن تتزوج به إن كانت تربصت ثلاثة قروء؟ فإما أن يكون القرء يومين فصاعدا أو يوما فصاعدا أو دفعة فصاعدا وإما أن لا يكون إلا ثلاثة أيام فعلى كل قول من هذه الأقوال يجب أن تترتب عليه تفريعات في الجزئيات الاخرى التي تعود إليه في هذه المسألة، وهذا واضح فإن المرأة بطبيعة الحال مأمورة بالتربص ثلاثة قروء والثلاثة القروء هي قبل كل شيء مختلف فيها فإن القرء أو القروء مختلف فيه هل المراد به الحيض أو الطهر؟ وقد قال بكل واحد من هذين القولين جماعة من علماء السلف من لدن الصحابة والتابعين ومن بعدهم واستمر الخلاف في ذلك إلى وقتنا هذا وهذا مبني على النظر إلى لفظة القرء أو القروء فإن هذه اللفظة مشتركة تطلق على الحيض وتطلق على الطهر، فالقرء يأتي بمعنى الطهر ويأتي بمعنى الحيض، واستعمل العرب هذه اللفظة في كلا المعنيين فمن شواهد اطلاق القرء على الحيض قول الشاعر: ورب ذي ضـ علي فارض له قروء كقروء الحائض

ومن اطلاق القرء على الطهر قول الاعشى:

أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزائم عزائك موروثة مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائك وقروء النساء التي تضيع فيما إذا كان ازواجهن في الحرب هي الاطهار وليس الحيض لانهم

يتمكنون في الاطهار من مباشرتهن والاستمتاع بهن ولا يتمكنون من ذلك في حال حيضهن. وإنما بقي النظر فيما أراد به الشارع الحكيم في الآية الكريمة هل أراد بالقرء الحيض أو الطهر فكل فريق من الفريقين له استدلالات لان هذا اللفظ - كما قلنا - لفظ مشترك، واللفظ المشترك لا يصار إلى أحد معنييه أو إلى أحد معانيه عندما يدل على أكثر من معنيين إلا بقرينة تخصص المراد، والذين قالوا بإن المراد الحيض استدلوا بالكثير من القرائن التي جعلتهم يذهبون إلى هذا الرأي. من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن والمراد بذلك الحيض والحمل في قول أكثر المفسرين.

والحيض وجوبي والطهر عدمي فإذا الالتفات إلى الشيء الوجوبي ومن ذلك أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل لفظة الاقراء في الحيض في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام لإمرأة مستحاضة: (اتركي الصلاة أيام (اقرائك وهي تترك الصلاة في أيام حيضها، ومن ذلك أيضا: (طلق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) وهو وان كان ضعيف الاسناد إلا أنه يستدل به وأخذت بمدلوله جماعة من العلماء في غير هذا المعنى فاذا الاستدلال به على هذا المعنى ايضا وارد، ومنها حديث عائشة في

(1) الآية 228 من سورة البقرة».

- 140 -