قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٤٨الله وتعلموا وانتفعوا بما علموا وعمروا أوقاتهم بالعمل الصالح الذي ينمو مع الأيام ويتضاعف أجره وثوابه على مرور الأوقات والأعوام. ومن أمثال أولئك الرجال الذين يمكن للشباب المسلم المعاصر أن يجد فيهم القدوة الصالحة في مختلف مجالات الحياة هذا الرجل الذي حاز الصدارة والمكانة العالية بين أقرانه وعلماء عصره، إنه العالم الرئيس الشيخ جاعد بن خميس الخروصي فهو صاحب رسالة علمية أخلاقية ومنهجية فكرية إسلامية واعية وهو على الرغم من أنه لم يدون أو على الأقل لم أجد له مؤلفاً خاصاً يتناول مسائل العقيدة وعلم الكلام بالمعنى المنهجي المعروف إلا انني مع ذلك حاولت أن أجمع مسائل هذا العلم من كتاباته ورسائله وسيره وما نقل عنه في موضوعات مختلفة فرأيت أن حياته كلها فلسفة انسانية زاخرة بالمثل العالية الباقية مثل الحق والخير والاخلاص والخشوع والتوكل إلى غير ذلك من الفضائل التي تهدي الناس في كل زمان ومكان إلى اصلاح النفوس وارتقاء الانسان، وتعددت نواحي ومجالات العظمة والنبوغ في شخصيته؛ فتجده عالم دين ورجل فكر وأديباً ومصلحاً اجتماعياً، ورسولاً من رسل الوعي الانساني الذين يهدون البشرية بسلوكهم وفكرهم إلى صراط ربهم المستقيم. والناظر في رياض أفكار أبي نبهان اليانعة لا يستطيع أن يميز بينها أو يفضل احداها على الأخرى فله في كل فن الباع الطويل والبحر الغزير ولكن ستقتصر هذه الدراسة على مجال واحد من بين
مجالاته المتعددة ألا وهو الجانب الالهي كما جاء في خطاب الدعوة للمشاركة في هذا التكريم. ولا تخفى أهمية هذا الجانب في حياة الانسان من ناحية، وخطورته من ناحية أخرى فالاعتقاد عامة والالهيات خاصة تمس الجهاز العصبي في حقيقة الانسان فانه يمكن أن يتفاوض في كل شيء الا العقيدة فلا مجال للمساومة فيها فإنها كما يصفها الشيخ جاعد أحد من الشفرة وأدق من الشعرة، ولذلك عندما عرضت قريش على الرسول - صلى الله عليه وسلم - المناصب والأموال ورغبته في كل متع الحياة، أجابهم بقوله: «والله يا عم. لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ثم بكى وولى. فقال أبوطالب: أقبل يا ابن أخي؛ فأقبل عليه فقال: اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك» (1). وعادوا المساومة والمحاولة مرة أخرى وفي هذه المرة عرضوا عليه أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته فأنزل الله في ذلك قرآناً قاطعاً كل الأساليب والحيل في الوقوف أمام هذه
الدعوة فقال عز قائلا كريما:
قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين) (3). علاوة على هذه المنزلة والأهمية للعقيدة في حياة الإنسان فإن أبا نبهان خاصة كان داعية من طراز فريد يدعو إلى العودة بالدين إلى ينابيعه الاولى الصافية وقواعده الراسخة وأسسه الثابتة ايمانا منه بالحقيقة التي لا تقبل الجدل والمساومة هي أ أن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هما
1 - نور اليقين في سيرة سيد المرسلين. تأليف الشيخ محمد الخضري. دار احياء التراث العربي. بيروت ص 38.
- سورة الكافرون» كاملة
- 1 EA-