قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٥٢من رجع فتاب إلى ربه وتطهر من ذنبه فبادروا الأوبة مسرعين، وعجكوا التوبة في الحين قبل أن يحال بينكم وبين ما تشتهون، ولا يصدنكم عنها تعاظم خطيئاتكم فإنه لا يهلك الا المصرون. هذا ما لا يجوز خلافه؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار؛ وإياكم واليأس من روح الله والأمن من مكره فتموتوا على الاصرار، أو أن تنظروا الى من اعطي سعة من المال او الخول أو الغلبة فالايام بين الناس دول كم كانت للمجرمين الكفرة من غلبة على المؤمنين البررة! وكم من تقي في عسرة وشقي في يسرة فلا تغتروا بكثرة المال، ولا بالسواد الأعظم من الرجال، فاللبيب لا يغتر بهما على حال. ولكن بالموافقة للحق في القول والعمل المقتضى في الظاهر لمعرفة المحق من المبطل لا غيره قل أو كثر، فزاد الاتباع لأن الناس أكثرهم همج رعاع يميلون مع كل ريح لا سيما على التحقيق من رأوا الدنيا له في اقبالها عليه ولا يلجأون الى ركن وثيق. وأنتم قادمون على الله بما تقدمونه من صالح الأقوال والنيات والأفعال أو فاسدها، والجزاء؛ من جنس العمل ومن المحال أن تصلوا إليه من طريق الضلال أم ترجون أن تفوزوا بما أعده من الكرامة لأوليائه من طريق أعدائه هيهات في هذا أن يكون في يوم! لأن من سلكها خطأ أو عمداً لا يزال يزداد في كل طرفة من ربه إلا بعداً) (1).
هذا وفي نصحه للانسان وتصحيح علاقته بربه افتتح قصيدته المشهورة بحياة المهج بقوله: تبين أخي في الله قولي فإنني على النصح في ذات الاله مع العتبى وهو بذلك يريد من الانسان أن يتدبر المعاني من الألفاظ، وأن يكون على قدر المسؤولية المنوطة به في التكليف من قبل الذي أخرجه من العدم إلى الوجود وجعل فيه من الوسائل والملكات ما يكون بها مؤهلاً لهذه المسؤولية فهو يدعو الانسان إلى عمل الفكر في الألفاظ للوصول إلى حقيقة المعاني فيقول: (فإن المعاني جواهر ولباب؛ والألفاظ قشور و أصداف، ولا تنال فتخرج عن أصدافها مجردة عن قشورها بحال على التمام والكمال الا لموصى القلب وغوصه في بحر حقائق المعاني المحمولة في محامل الألفاظ الحاملة لها؛ فهي في المباني للمعاني كالمعاني، ومن لم يلج المنزل فيطلع وينظر من والج اليه فكيف يعرف على اليقين ما فيه من الخارج؟ كلا فلا سبيل الى ادراكها والبلوغ .. (2) الا باستعمال الفكر والتزام التدبر والاعتبار والمطالعة لمعنى القول اللفظي من القلب النوراني لا سيما في عويصات الأمور) (3). بعد هذه الجولة السريعة في عوامل التفكير في الجانب الالهي ودعوة الانسان الى التفكر والاعتبار في عواقب الأمور وما إليه صاير بفعله وقوله ونيته يأتي المبحث الثاني
في الاستدلال على وجود الله تعالى ووحدانيته.
1 - المصدر السابق بدون ترقيم 2 - بياض في الأصل.
- شرح حياة المهج. لأبي نبهان. مخطوط رقم 2428. وزارة التراث القومي والثقافة.
-101 -