قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

المبحث الثاني

الاستدلال على وجود الله تعالى ووحدانيته: يسبق الحديث في الاستدلال على وجود الله - تعالى - عند أبي نبهان الاشارة إلى أنه يرى عدم جواز البحث والنظر في حقيقة ذات الله - تعالى - لأنه من المستحيل الوصول الى كشف حقيقته وماهيته، والاعتراف بالعجز عن الوصول الى معرفة ذلك هو المعرفة، ولكن المعرفة الواجبة على المكلف انما هي من حيث النظر والتفكير في آيات الله الدالة على وجوده، وفي هذا المعنى يقول: وذاته عبارة عن نفسه التي هو هي لا غيرها لا إله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ليس كمثله شيء في ذاته ولا في شيء من صفاته تسبح له السموات والارض تعالى عن الطول والعرض، وعن درك الأفهام وتصور الأوهام، وجل عن الكيف والأين، وعن أن يرى في الآخرة والأولى بالعين، وتقدس عن أن يكون له لون، أو يحوي نفسه كون، أو تعتريه حركة أو سكون أو يلحقه شيء مما يلحق الخلق، لأنه الملك الحق مقدس النفس عن نقص ورجس، وقد أن لي من هنا في هذا أقول أنه مقام الذهول وحيرة العقول لأنه منقطع الاشارة لعجز العبارة عن حقيقة ذاته القدسية من حيث أنه ليس للخلق سبيل يصلون به الى معرفته الا بالذي جعله لهم من الدلالة عليها ولم يجعل لهم علما يدلهم على حقيقة ذاته وانما دلهم على معرفته بأسمائه وصفاته، ونصب لهم من جوده اعلام شهوده أدلة على وجوب وجوده فيه عرفوه ولولاه ما عرفوه بصفاته ولا سموه بشيء من أسماء أفعاله) (1). ويقول في موضع آخر: لأن ذات الباري لا تتجلى لغيرها على ما هي فيراها كما هي فيعرفها

ما هي كلا ما هذا إلا ضلال لأنه عين المحال!!!.

ومن أجل ذلك فان مسألة وجود الله - تعالى - واثبات هذا الوجود من المسائل التي أتاح الشرع الحكيم للعقل أن يعمل فيه بقدر طاقته، ذلك لأن الدليل على وجوده أمر ممكن ومستطاع بالنسبة

للعقل.

لقد بث الخالق دلائل وجوده في كل شيء في الكون، فكلما تأمل العقلاء في هذا الكون الكبير المتدفق حكمة وابداعا تجدد لهم في كل تأمل جديد، برهان جديد يدل على الخالق العظيم على مختلف مستويات التفكير والفروق الفردية عند الناس. فالساذج البسيط من الناس ينكشف له ما الدلائل على وجود الخالق والبراهين على وحدانيته وعظمته، دلائل تتناسب مع مستوى تفكيره.

والذكي: يزيد في التأمل فيصل الى الحقيقة نفسها ولكن بدلائل أكثر وأدق وأعمق. والفيلسوف الباحث: تضطره الحقيقة بعد البحث والتأمل أن يعلن وجود الخالق المبدع بمستوى من الأدلة أكثر عمقاً وأدق فلسفة وغوصاً الى أعماق أسرار الأشياء. والعالم التجريبي: ينكشف له في كل تجربة صادقة دليل جديد على ارتباط المادة بسبب أولي فعّال عليم مريد قادر وهو الخالق سبحانه وتعالى.

1 - شرح حياة المهج - لأبي نبهان - مخطوط.

-101 -