قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

والفطري: بفطرته الصافية ووجدانه السليم يتحسس ببساطة لا تعقيد فيها فيشعر بأن لهذا الكون خالقاً كبيراً فيؤمن به.

فسبحان الخالق الذي جعل كل شيء في الكون يشير الى وجوده وكمال صفاته ولو أخذنا أفراد البشر منذ نشأة الانسان حتى عصرنا هذا لوجدنا أنه ما من إنسان استطاع أن يعيش وهو عاقل مدرك منصف ثم يموت دون أن يعتقد بقوة مهيمنة على الكون تسيره وتدبر أمره، وإن تنازعته الشكوك والتساؤلات في فترة من حياته (1). فكبار علماء الدنيا وفلاسفة الكون في عصور التاريخ على اختلافها يعتقدون بوجود الخالق سبحانه وتعالى فقد جاء في كتاب الله) يتجلى في عصر العلم ثلاثون مقالا لثلاثين من كبار العلماء الأمريكيين في الاختصاصات العلمية المختلفة من علوم الكون السائدة في العصر

الحديث.

وقد أثبت هؤلاء العلماء في مقالاتهم هذه وجود الله - جل وعلا - عن طريق ما وصلوا اليه من الأدلة الكثيرة المنبثقة في مجالات اختصاصاتهم العلمية. وهناك آخرون كثيرون من العقلاء المنصفين المنبثقين في مختلف المدن الكبرى ومراكز الحضارات العلمية على اختلاف أجناسهم وأديانهم ومذاهبهم الفكرية كلهم قد استووا في الاشارة الى خالق مدبر وفي الايمان بذي قدرة عظيم مهيمن الا أن مداركهم اختلفت في تصور

ذاته وتحديد صفاته.

فمنهم من استطاع أن يفهم أنه لا بد ان يكون مجرداً عن مشابهة كل ما يدخل في نطاق الحس وأن يكون مجرداً عن كل شيء مادي أو يتصف بالمادة وأن يكون واجب الوجود قائماً بذاته لا إله إلا هو لا يحتاج الى مكان ولا يجري على ذاته زمان.

وهذه الحقيقة عن ذات الله - تعالى - هيا الحقيقة التي جاءت الديانات السماوية لتروي بها غلة

كل عالم باحث مفكر، ويطمئن بها ذوو الفطر السليمة الصافية وكل ذي عقل نافذ وقاد. ومنهم. أي ممن أثبت وجود الخالق. تخيل ذات الخالق بالمادة أو بما يشابه الأجساد المادية أو بقواعد ونظام المادة بحسب قصر مداركه وتقيده بواقعه الذي يحس في نفسه أو في الكون من حوله لأنه حجز نفسه في حدود ظاهر المادة فقط ومنع فكره من أن يجول في التفسير والتعليل والغاية ورضي لنفسه بالجهل معرضاً عن الحقيقة مستهينا بأمرها، مشغولاً بمطالب الجسد والهوى. هذا على مستوى الفكر العالمي. ولعلماء الفكر الاسلامي جهود مشهودة ومشكورة في هذا المجال فالمكتبة الاسلامية زاخرة بالمدونات والمؤلفات التي أسهمت في دراسة الجانب الالهي والعلاقة بين الله والانسان والكون والحياة والمدارس الفكرية الاسلامية في ذلك معلومة ومعروفة والمدرسة الاباضية التي ينتمي إليها الشيخ جاعد الخروصي لها في هذا الميدان القسط الوافي فلا تخلو حقبة من حقب التاريخ إلا ولهم فيها رجال وأعلام بذلوا جهوداً عظيمة في الدفاع عن العقيدة ضد الدخيل عليها في

1 - العقيدة الاسلامية وأسسها. عبد الرحمن الميداني. دار القلم. دمشق ص 93

-108 -