قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٥٩ويقول في موضع آخر في معرض حديثه عن بيان أنواع التجليات الالهية منها التجلي بالأفعال، يقول: المراد به الظهور الحق تعالى في الخلق من حيث إنها دالة على موجدها الا وانها على التفصيل في كل شيء منها شاهد ودليل يخبر عن حاله بلسان حاله فيدل بفحواه على مولاه الذي سواه وهذا في البيان كأنه طريق أهل البرهان المستدلين على المكون بالأكوان) (1). صورة الدليل
الأدلة التي اعتمد عليه أبو نبهان مما سبق تتلخص في أن هذا العالم حادث وكل حادث لا بد له من سبب في حدوثه فالعالم إذن له سبب في حدوثه واخراجه من العدم إلى الوجود وهو الله - عز وجل - وهذا الدليل على بساطته يتركب من أصلين أو مقدمتين ونتيجة.
المقدمة الأولى: هي أن العالم حادث
•
-
- المقدمة الثانية: كل حادث فله، سبب.
النتيجة التي خرجت من المقدمتين هي العالم إذن له سبب في حدوثه وهو الله - تعالى -. ومن القواعد المعروفة في علوم البحث والمناظرة وفي قانون التفكير أن الخصم المناظر إذا ما سلم بالأصلين فانه لا بد وأن يسلم بالنتيجة لأن انكار النتيجة مع التسليم بالمقدمات واقعا موقع التناقض المخل فان سلم بالمقدمات لا يمكن رفض النتيجة. وهكذا نطالع أقوال العلماء المسلمين والكونيين والفلاسفة الباحثين على اختلاف أجناسهم وأديانهم ومذاهبهم اعترافاتهم الخاشعة بالخالق الواحد - جل وعلا -. إنها حقيقة وجود الله المنبثة دلائلها في كل شيء، وقد فطر الله العقول والأفكار على ادراكها، ومنحها ما به تتوصل إلى اكتشافها، والموازين التي تزن بها الأدلة فتحق الحق وتبطل الباطل. فالعلم على مختلف ضروبه وصنوفه مؤمن بالله ويدعو إلى الايمان والمعرفة وصدق الله العظيم حيث قال: انما يخشى الله من عباده العلماء} (3). ولكن الجاحد هو الهوى والغرض الجانح وهما اللذان يدعوان إلى الالحاد والجهل وطمس البصائر عن الحق في هذا يقول أبو نبهان: أرى الجهل أمراً كالهوى يجذب الورى إلى ورطة عن فرطة منهم جذبا
ويشرح البيت فيقول:
الجهل: نقيض العلم
والهوى: هو الشر الجامع لجميع المعاصي كلها. الورى: أهل التكليف من العالمين في الأرض خاصة.
والمراد: أن الجهل أمر كالهوى يجذب الورى إلى مهادف الردى مثل الهوى وشبه الجهل بالهوى أن الهوى بحره أطم وضرره في الورى أعم قل من يسلم منه حتى علماء الدنيا، فضلا
1 - شرح حياة المهج مصدر سابق. 2 - سورة «فاطر» آية 28
-109 -