قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

عن الجهال لأنهم يأتون ما أتوه على علم منه بأنه ضلال ولكن لما زين الشيطان لهم ذلك ودلهم عليه وقادهم الهوى اليه فأتوه قصداً وفعلوه عمدا وكذلك الجهال قل ما يأتونه من قبائح الأفعال وفواحش الأعمال ألا وهم بفساده عالمون وبظلمهم لأنفسهم عارفون (1). وبذلك يؤكد أبو نبهان هنا أن النفس الانسانية اذا تأملت في الكون وما حوله فانه دال على الله - تعالى - ووحدانيته وذلك هو الايمان الفطري الذي تشترك فيه جميع الخلائق المدركة وجود على اختلاف مستوياتها.

ولا تنطمس هذه الفطرة إلا في نفس من بالغ في الانحراف من الناس بدافع غير أخلاقي ليرضي شيئا في نفسه فغشى على مرأة فطرته الصافية، وشد عصائب الجهل والعناد على حسه

المضيء.

وهكذا تظلم مرأة الفطرة في الانسان بدخان نار الشهوات والغرائز النفسية العاتية المستكبرة أو بسحب الشكوك المادية. ولذلك نراه يقول في موضع آخر:

فأنى ينال الجهد والحمد جاهل ومن كان ذا كبر وبخل سلي عجبا ومن كان عربيداً ومن كان حاسداً ومن كان ذا قلب مريض ملى ضبا

فقد ذكر في البيتين أسباب فساد الفطرة وعمى القلوب عن ادراك الحقيقة الموصلة إلى علام الغيوب فهو يقول في شرح ذلك: على الانسان أن يحذر من جميع هذه الخبائث ويعالج نفسه منها وعليه أن يقلع كل داء من أصله، وعلى الصحيح فيها وما لا ريب فيه أن هذه كلها وأمثالها في الأصل فرع لسنح الجهل، فهو مادة الجميع، إما في الظاهر وإما في الباطن، فمن أراد أن ينجو من ضرها ويسلم من شرها فليقطع المادة بمسهلات العلم لعلاجها، فليسهل عليه اخراجها، لأنه لابقاء للفرع مع زوال أصله بالقطع وليس لداء الجهل دواء غير العلم فليستعن بالله - تعالى - في طلب هذا الدواء والتماسه ليأخذه من حيث يجده. وفي البحث المزيد في بيان هذا الموضوع عند الحديث عن أسباب الضلالات الاعتقادية كما يراها الشيخ أبو نبهان.

ونعود الآن الى حديثنا حيث انتهينا إلى أن سلامة الفطرة وصحة العقل وحقيقة العلم كل هذه تقود الى كبرى اليقينيات وهي الايمان بالله الخالق المدبر وعلى ذلك فإنه لا نجد الانحراف والالحاد الا عند الجاهليين المغفلين المضللين المقلدين الشهوانيين المستكبرين المغرورين باليسير مما تعلموه فظنوا أنفسهم أنهم على شيء وجهلوا أنهم ما وصلوا بعد الى ساحل بحر العلم الذي لا قعر له ولذلك إذا أمعنا النظر فإنا نرى الالحاد بالله وانكار وجوده ليس الا تهربا من والحق والخير والجمال، لتبرير أعمال الرذيلة والظلم والقبح، وقلب الحقائق وارضاء النزوات والشهوات .. وإلا هل يستطيع أذكى وأعلم ملحد في الدنيا أن يأتي بدليل واحد مقنع يدل على عدم وجود الخالق فإنهم مهما اجتمعوا فلن يستطيعوا.

1 - بتصرف من شرح حياة المهج. مصدر سابق.

الفضيلة

-17.-