قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٦١

ان الملحد ينكر وجود الله - عز وجل - ثم نراه يجري وراء أوهام تافهة لا حقيقة لها في الواقع .. وقد كتب أحد علماء الطبيعة عن الملحدين فقال (ويظهر أن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من الشك لديهم بقعة عمياء أو بقعة مخدرة داخل عقولهم تمنعهم من تصور أن كل هذه العوالم تصير لا معنى لها بدون الاعتقاد بوجود الله) (1). فما شعور أكبر ملحد في الدنيا إذا تراكبت عليه الهموم والأحزان والمصائب من كل مكان فلم يجد سببا ماديا ينقذه، أفلا تتيقظ فيه فطرته الأولى فينادي: أيتها القوة المهيمنة على الكون اسعفيني. إن تجربة إلقاء الملحدين في المخاطر والمأزق هي من أعظم التجارب التي تكشف عن فطرتهم السليمة الصافية والتي دخل إليها الفساد والاجرام فجنحوا عن الحق. إن هذه التجربة تجعلهم ينادون الله ويلتمسون منه العون بعد الحاد وكفر ويستجيب الله لدعوة المضطر حتى إذا وصلوا إلى شاطئ السلامة واطمأنوا بها إذا هم يكفرون ويعودون إلى سيرتهم

الأولى.

ويكشف الله حال الكافرين في قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا.

المبحث الثالث

أثر الجانب الالهي على السلوك الانساني: مما لا شك فيه أن الدين عند الله الاسلام، ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، فالاسلام عقيدة حق ونظام حياة وقاعدة سلوك وعمل لا مجال فيه لكواذب الأماني والادعاء والهوان والكسل، يقول - تعالى -: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به ولن تجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً. والايمان الخالص كما يذهب اليه أبو نبهان هو أول صفات الصفوة المختارة من سلالة البشرية في تاريخها الطويل من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والايمان هو الهدف الأسمى والأساس الأول لهذا الوجود فلا جرم أن تهتم به العقول المفكرة والألباب المعتبرة، تلهج به القلوب، وتهفو إليه النفوس وللإيمان آثار طيبة تنعكس على المؤمن في أقواله وأفعاله، في حركاته وسكناته في علمه وعمله في عافيته وسقمه، في قوته وضعفه، في غناه وفقره في يسره وعسره، في سرائه وضرائه، في مشيته ووجهته، في حبه وبغضه في سره وعلنه، في عبادته وسعيه، في صومه وفطره، في سفره وحضره، في سلمه وحربه، في ملبسه ومسكنه، في مطعمه ومشربه، في منامه ويقظته، في صحته وذكره، في بيعه وشرائه، في أخذه ورده، في سيرته وسره، في جده وهزله، في عقله وأحاسيسه، في أدبه وذوقه.

فالمؤمن دائما متجه إلى الله - تعالى - في جميع أحواله وأوقاته، والاسلام لم يجعل ذكر الله 1 - شرح حياة المهج. مصدر سابق.

-171 -