قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

- تعالى - ألفاظاً تتردد على السنة أو كلمات تتحرك بها الشفاه، وانما جعل لكل عضو ذكراً، به يذكر ربه وخالقه - جل وعلا - فذكر العين البكاء وذكر الأذنين الاصغاء وذكر اللسان الثناء وذكر البدن الوفاء وذكر الروح الخوف والرجاء وذكر القلب التسليم والرضا. هؤلاء الأبطال في النفس الانسانية تتلمذوا في مدرسة النبوة وعلى منهج الله - عز وجل - فكان لايمانهم حلاوة فكانوا أتقياء مخلصين.

•

فكيف السبيل في الوصول إلى مراتبهم والوصول إلى منازلهم وتحصيل مراكزهم؟! إنه بمجاهدة شهوات النفس وأهوائها واخضاع ملكاتها تحت سلطان الارادة الجازمة والعقل الحكيم والحاكم والموجه والمرشد لكل جوانب النفس ومطالبها ولا يتم ذلك إلا إذا أشرق نور الايمان في أعماق النفس وباشر القلب، فينعكس ذلك بالتالي على سلوك الانسان وأحواله الظاهرة والباطنة في أقواله وأفعاله وخلجات نفسه. ومعين الاشراق هنا كما أشارت إليه الدراسات المختصة بهذا أنه تلقي العلم الغيبي أو الالهي عن الملأ الأعلى عن طريق الرياضة والمجاهدة وتصفية النفس من الكدورات البشرية بحيث تصير كالمرأه الصقيلة فتنعكس عليها الصور والعلوم الالهية المنقوشة في العقول والنفوس الفلكية. وإذا نظرنا إلى هذا المفهوم من معنى الاشراق عند أبي نبهان الخروصي فإنه يقول: «هيكل الانسان جسداني مظلم وطبيعي ثقيل من جهة العنصر المائي والعنصر الترابي، وعقله نوراني وجوهر نفسه روحاني وروحه أمر رباني وسر الهي في جميع بدنه الجسماني: فإن غلب عليه المزاج الطبيعي البسه الثقيل المعدني ومن شأن الثقيل الرسوب فلا يزال يهوي .. إلى أسفل سافلين، وإن غلب عليه السر الروحاني والنور الرباني لازمه الذكر على الاخلاص في الشكر اكتسبه عن الجود الالهي اللطف الروحي فلا يزال لانحلال القيود أخذاً في الصعود حتى ينتهي إلى أعلى عليين في جوار رب العالمين) (1).

وهذا النوع من المعرفة تناولها علماء الاسلام وفلاسفته قديماً وحديثاً منهم أبو يوسف يعقوب الكندي 260 هـ الذي اعتبر النفس من نور الباري وهي لذلك لا تصل الى المعرفة الا بالتطهر من الأدناس وترك الشهوات فإذا فعلت ذلك وجدت في البحث والنظر تصقلت صقالة ظاهرة واتحد بها صورة من نور الباري فحينئذ يظهر فيها صور الأشياء كلها ومعرفتها، كما تظهر صور خيالات سائر الاشياء المحسوسة في المرأة إذا كانت صقيلة، وعلى حسب صقالتها تكون معرفتها

بالاشياء.

ويفرق الكندي بين علم الأنبياء وعلم البشر فهو يرى أن علوم البشر تأتي ثمرة لتكلف البحث والنظر والقصد إلى المعرفة واستخدام المنطق والرياضيات في زمان طويل طبقا للمنهج العلمي. أما علوم الأنبياء فليست محتاجة إلى شيء من ذلك لأنها تكون من طريق فعل الهي في نفوس

الأنبياء (2).

والفارابي يرى أن غاية المعرفة هي الاتصال بالعقل الفعال والعقل الفعال عنده هو جبريل

1 - شرح حياة المهج لأبي نبهان. مصدر سابق. - المرجع السابق ص 38

- ITY-