قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٧٠وذكر صاحب القناطر الإمام الجيطالي ان اليقين هو علم راسخ في القلب، زايلته الشكوك، وفارقه الاضطراب، واستحكم في النفس حتى كاد أن يكون عن مشاهدة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنهما - اعمل على الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير وقال بعض العلماء: (إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ قلبه نورا، وينفي عنه كل ريب، ويملأ القلب
شكرا، ومن الله خوفا) (1).
وفي حقيقة الأمر ان ملاحدة العالم اليوم ما أقدمهم على الإلحاد إلا ضعف اليقين بالله، وعدم الإيمان بالخالق فامتلأت قلوبهم حقدا وبغضا، فصاروا يرفضون الدين رفضا، وجاسوا خلال الديار طولا وعرضا ينشرون عقائدهم الزائفة، وبهرجتهم الفارغة. والدين الإسلامي دين يتصف بالبعد عن كل ألوان التعقيد والشطح، فهو دين رباني بعيد عن مظاهر الإسراف والسفسطات، وازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، أمرنا بإحياء قلوبنا وأجسادنا في أن واحد لأن الجسد إذا كان يتصف بعنفوانيته وصحته كان ادعى للإنسان أن يسهر في ذكر ربه. والقرآن الكريم يأمرنا في قوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب في نفس الوقت الذي يأمرنا بقوله - تعالى -: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين وبقوله ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك فإذا لا نستطيع أبدا أن نفصل بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وأي شخص حاول أن يستفرد لنفسه أحد الجانبين، فإنه لا شك سيقع في هوة شنعاء، ومال مخز؛ وخير دليل على صدق هذا الكلام، سجل التاريخ الخالد الحاوي ما وقع للأمم والديانات الماضية من: انتكاسات، بسبب هيمنة أحد الجانبين الجسدي أو الروحي، فقد زهق الإسلام ظاهرة الافراط أو التفريط بشعار أن لا إفراط ولا تفريط، فنضرت الأرض وازدهت وسعدت البشرية وانتشت إلى أن حل بالمسلمين داء الأمم فأترفوا في حياتهم الدنيا، واغتروا بكنوز كسرى وقيصر وخالطوا الأعاجم ففسدت العقائد وماجت أعاصير الفتن فكان حقا أن تنطبق عليهم سنة الله التي تتبدل ولا تتغير سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (2) فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، فلم يُجدهم التشبث بهذا أو ذاك ولا بالشرق والغرب ولا بالناس أجمعين. وقامت طائفة من العلماء المخلصين محذرين من هذه الكارثة والمصيبة العظمى ولم يكن لهم إلا ان ترق القلوب وتصفى حتى تتذكر موجدها - عز وجل - فسارعوا بتأليف الكتب في تزكية القلب من الرين العالق به. فوجد كتاب إحياء علوم الدين للامام الغزالي وكتاب قناطر الخيرات للإمام الجيطالي وهو كتاب شبيه لكتاب الإحياء ومؤلفه – رحمه الله - اعتمد على كتاب الإحياء اعتمادا كبيرا. وظهرت كتابات كثيرة في ذلك كمؤلفات العلامة ابن رجب الحنبلي والإمام سـ سعيد بن خلفان الخليلي والشيخ ناصر الرواحي وغيرهم. المدرسة السلوكية:
لا
والسلوك هو السيرة والمذهب والاتجاه، فنقول: فلان حسن السلوك أو سيء السلوك ويأتي بمعنى النفاذ في الطريق. قال - تعالى -: التسلكوا منها سبلا فجاجا فالمدرسة السلوكية تعنى بسلوك 1 - قناطر الخيرات للإمام الجيطالي ص 270 ج 1 بتصرف.
2 - الآية 62 من سورة الأحزاب».
- 170 -