قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ١٨٤يلهمه التوفيق والتسديد. وصدق الشاعر الغشري حين قال: لله قوم مراجيح عقولهم أيداهم الله في دنياه أبدالا صفت قلوبهم حتى بها نظروا رأي المغيب كرأي العين أرسالا وعاينوا هذه الدنيا وزخرفها كالحلم أو كسراب لاح واختالا لم يطلبوا العلم للدنيا وزخرفها وان ينالوا به جاها وأموالا (1) فالشيخ جاعد - رحمه الله - قضى حياته مجاهدا في سبيل الله بالكلمة وبالسيف فكان يأمل ان ينصب إماماً قائماً بالحق فعمل لذلك ولكنه لم يوفق فله - ان شاء الله - الجزاء الجزيل من الله العزيز الجليل. وقد نجح في ذلك ابن ع عمه العلامة الرباني سعيد بن خلفان الخليلي (رحمه الله) فقام هو والشيخ صالح بن علي الحارثي والشيخ حمد بن سليم الغاربي بمبايعة الإمام الرضي عزان بن قيس بن عزان بن قيس بن الإمام أحمد بن سعيد فجزاهم الله عن المسلمين والاسلام خيرا. والإمام جاعد (رحمه الله عاصر أحداثا كثيرة وجهالات متعددة فكان بمثابة الناصح المشفق على مصير هؤلاء، لم يقف في حدود الكتب بل كان يرى هذه الكتب بعين ليتبحر في مسائلها ويغوص ليخرج درر معانيها في نفس الوقت الذي يرى بالعين الاخرى ما يعوزه المجتمع والمشاكل المستجدة في حياة الناس. وهذا هو تعريف المجتهد كما أشار الى ذلك الدكتور يوسف القرضاوي، وكما هو واضح، فالانغلاق أفة ممقوته تؤدي الى النفرة والى انغلاق المجتمع.
نرجع الى الإمام جاعد حيث انه وصف حالات الناس في مجتمعه وهو يكاد يذوب من المال الذي ألوا إليه ولكنه يتذكر قول الحق - سبحانه وتعالى ـ انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء .. صدق الله العظيم. فوصفهم في أبيات له رائعة. يقول - رحمه الله -: فما الناس الا في لباس وزينة واكل وشرب، شهوة وجماع وضرب وطعن ثم عطر وملبس وقتل وسلب حلفة وكراع وجهل وسهوثم لهو وغفلة وكد وكيد خدعة ونزاع وماخور خمر ثم زمر وقينة وطبل ورقص ثم لحن سماع فظاهرهم في صورة أدمية وباطنهم في الطبع مثل سباع شياطين أمارون بالفحش والخنا يصدون عن نهج الهدى بقراع انه لم ينس واجباته تجاه مجتمعه، بدعوى الزهد والروحانيات شأن فريق من المتصوفة الذين هربوا من الحياة (متقمصين حياة التقشف في العيش والجوع، هائمين على وجوههم في الأسواق والفلوات لا يلوون على شيء وليس لهم سوى الابتعاد عن شؤون الحياة) (2). وسأذكر في الفصل القادم ان شاء الله شيئا عن الصوفية ومنهجهم في الحياة وما ذكرتهم الآن إلا لأن الناس يخلطون بين علماء أهل السلوك والصوفية. وبينهم بون كبير وإن كان منطلقهم واحدا. فهدف الجميع تزكية النفس عن الأصداء والأهواء العالقة بها. ولكن الاختلاف في منهجية التطبيق.
-1
ديوان الغشري ص 316.315 بتصرف الصوفية في نظر الاسلام. سميح عاطف الزين ص 72
- 1^ {-