قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ٨٠يعتمد على العبارة الطويلة كما في: الهوى: هيولي الشر؛ الجامع لجميع المعاصي كلها إلى آخره من صور التعريف المختلفة.
وهذا المعنى الذي ساقه في بداية الشرح معنى معجمي اختاره بين معاني المعجم المتعددة، والمحتملة أيضا، باعتباره الأقرب إلى المعنى السياقي الذي سينطلق إليه، فاستخدام الكلمة التي تعني هذا المعنى في هذا السياق بالذات يجعل من الممكن أن تحمل المعاني السياقية التالية، وينطلق بعد ذلك من توضيح هذه المعاني السياقية، ويفجر فيها هذه الإيحاءات الصوفية المكثفة المختبئة خلفها، ويمكن أن نستشهد على ذلك بشرحه للبيت القائل:
ولا تغضين مهما هديت عن الردى طريق الهدى واستطرق المنهج اللجبا فنجده يشرح مفردات الغضب، ومهما، والهدى، واستطرق، والمنهج واللجب فيقول: الغضب ضد الرضى، ومهما: كلمة تتضمن معنى الشرط. والهدى: البيان الواضح واستطرق: أي: أطلب، والمنهج الطريق، واللجب: الطريق الواضح. ومن ثم يكون معنى البيت معجمياً) كن راضيا عن من منعك عن طريق الردى، وأخذك إلى طريق الهدى وعليك باختيار الطريق السليم) وهذا المعنى على ما فيه من بساطة لا يرضي الشيخ بل يحاول أن يفجر هذه المعاني المخزونة فيقول (هذا وإنما نهى عن الغضب في هذا الموضع لأنه إذا كان الأمر في الجهل كما وصفه، فالهادي له عن الوقوع في الردى قمين على ما أهداه إليه، ودله عليه أن يوده، ويتلقى بالقبول هداه فلا يرده، لأنه أشرف هدية كان ذلك على وجه الابتداء به في القضية. أو كان قد وقع الخوض منهما في شئ، فظهر الحق فيه على شئ فيه فكله سواء. لأن الحكمة ضالة المؤمن.
وعلى المريد أن يقبل الحق من حيث كان، ويطلب المنهج الواضح المستقيم أين كان، وقد دل إجراؤه بكلمة المنهج اللجب، في أمره له هو واحد المناهج على وحدة طريق الحق، وأنه لا ثاني، ولا ثالث له، فليؤمه مختاراً، وليستدل عليه بجهده كي لا يضل: مختاراً فإنه طريق الوصول إلى النعمة والنجاة من النقمة. وإذا كان كذلك - ولا شك في ذلك - فالدلالة على النجاة من الرزايا والنقم، والظفر بالعطايا والنعم، ولا شك أنها للبرايا من اسنى الهدايا فكيف يسنح في بال من له أدنى بال أن يقابل الغضب من ينقذه من هوة العطب، ويهديه إلى أعلى الرتب، وإن يسنح يوما ما فكيف لا يبادره: ره كظماً؟!.
إن هذا لمن العجب، إذ لو أخذ بيده عن أن يقع في مهالك الدنيا، أو تقع عليه، أو أخبره بها ليحذر منها لشكره وأحبه فذكره، وجعل المنة عليه، وليس أقصى ما فيها، إلا فوات حياة فانية دنيوية؛ ثم لا يرضى عمن أراد أن ينقذه من هالك الأبد، ليحيا حياة طيبة أبدية، ويعيش عيشة سرمدية، بل يعانده، ويقلاه فيباعده، ويعاديه فيناكده، ما هذه الرزية إلا خلق الجاهلية) (1) ثم يمضي في الاستشهاد بالحديث الشريف والحديث عن الغضب، والعجب والرياء بحديث أدبي صوفي مؤثر. وقس على حديثه من كل بيت من أبيات قصيدة (حياة المهج) موضوع الدرس.
- السابق ص 29،28.
- A.-