قراءات في فكر أبي نبهان مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر أبي نبهان

الجزء ١ · صفحة ٨٣

فقد كانت قضية الفصاحة وشروطها مقدمة جوهرية للدخول في علوم البلاغة المعروفة، المعاني والبيان والبديع، ولم يفت الشيء أن يدلي فيها برأيه بأسلوبه الأدبي أيضا. يقول: (فإن المعاني جواهر ولباب، والألفاظ قشور و أصداف، ولا تنال فتخرج عن أصدافها، مجردة عن قشورها محال على التمام والكمال إلا لمؤمن القلب وغوصه في بحر حقائق المعاني المحمولة، في محامل الألفاظ الحاملة لها فهي في المباني للمعاني كالمعاني. ومن لم يلج المنزل، فيطلع وينظر من دالج إليه، فكيف يعرف على اليقين ما فيه من الخارج. كلا فلا سبيل إلى إدراكها .. إلا باستعمال الفكر والتزام التدبر والاعتبار، والمطالعة لمعنى القول اللفظي من القلب النوراني، لا سيما في عويصات الأمور). كأنه بهذا يتحدث عن نفسه، إذ يعد نفسه للغوص في معاني أبيات قصيدة حياة المهج، وما يتطلبه ذلك من استعمال الفكر، والتزام التدبر والاعتبار، والمطالعة لمعنى القول اللفظي من القلب النوراني. والقلب النوراني هو قلب الصوفية الذين بلغوا في درجات سلم الوصول إلى الله مبلغا، وهو واحد منهم. ولا يفوته وهو يعرض لشرح الأبيات إلى الاستخدامات المجازية ككلمات في النص ويستخدم لذلك إشارات واضحة كأن يقول «شبهه بمدرك حس» ولكن أتسع في القول فاستعار»، وقد يطلق كذا بمعنى (كل) مجازا وليس على الحقيقة. ونستشهد على ذلك بقوله في شرح البيت القائل:- كليل دجوجي على أهله سجا فضلوا على تيهاء قيعانه الجدبا فيشرح «قيعانه» حيث يعود الضمير على الجهل يقول: «والجهل ليس فيه على الحقيقة قيعة ولا

تيهاء، ولكن اتسع في القول واستعار له هذه الأسامي تجوزاً، لأنه في المعنى، كأنه مما كان فيه نوع من المحاكاة لها، فلذاك شبهه بها، وقدر بها، في التشبيه تمثيلاً، وأجراه على وجه التصوير تخييلاً، وتمثيله له في الشبه بالليل من حيث ستره الحقائق عن درك عين البصيرة من القلب لها وموازنته لها عن تصورها .. (1).

:

ب السمات الأسلوبية في كتابته الأسلوب مرآة الشخص يعكس ثقافته وروحه، ولا تظهر السمات الأسلوبية إلا في مواضع الاختيار في اللغة، وهي مواضع الجواز حيث يجوز هذا أو ذاك، فيميل الأديب إلى هذا الاختيار أو ذاك. كان يختار بين الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية ويختار بين القصر بإنما أو بما وإلا والتأكيد باللام، أو بإن والتقديم والتأخير للمفعول، والجار والمجرور والتعليل بلام التعليل أو كي، أو لكي، الخ .. وبالقراءة في كتابات أبي نبهان تتضح السمات الأسلوبية التالية:-

أ - الجملة لديه ليست بسيطة، كما أن أفكاره ليست بسيطة فلم تكتف الجملة بأركانها الأساسية (المبتدأ + الخبر) أو (الفعل + الفاعل + المفعول، بل حملت الجملة بالمكملات المكثفة كالنواسخ والصفات والمضاف والمضاف إليه والحال، والجار والمجرور)، ويمكن أن نمثل عليه بالجملتين التاليتين:- يقول: «لا يزال في تردده على غيره في ليل عماه متحيراً»

فعل ناسخ + اسمه + حال + حال + حال + مضافات + خبر الفعل الناسخ. ويقول كذلك: «كذلك لا يحصى أنواع هلكات المنغمسين في ظل الجهالات»، جار ومجرور + لا نافية + فعل + فاعل + مفعول + مضاف إليه + مضاف إليه + جار ومجرور + مضاف إليه.

(1) السابق ص 3.

- AT-