قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ٩٢ويسائله عن أخباره، فلما أفصح له عن طلبه قال له الشيخ الكندي - في جواب الرجل الحكيم - يا هذا ان لي بندقية لا تخطئ الهدف ولا تعدو الثغرة قرب المرمى أو بعد، فكان لهذا القول أثر في نفس أبي نبهان، فقال له: أرني هذه البندقية التي تذكرها، فذهب الشيخ الكندي مسرعاً فجاءه بكتاب ضخم، فوضعه بين يديه، وقال له: هذه بندقيتي، فإن كنت ترغب في الاصابة وأن لا تخطئ هدفاً ما حييت فتعال أعلمك الرماية بها، فقال: هيه، فألقى بندقيته الحسية وأخذ البندقية المعنوية، وخرج من صبغة البدو إلى صبغة الحضر والتدبر والتفكير، وأكب على طلب العلم، وواظب على الدروس ليل نهار حتى فتح الله عليه كنوز العلم والمعرفة (1).
وفي رواية أخرى عن شيوخنا: ان الشيخ جاعد خرج ذات يوم للصيد كالعادة فلما. رجع إلى المنزل وجد والدته قد أخرجت كتب أبائه المخطوطة ووضعتها في الشمس لتذهب عنها الرطوبة والأرضة، فلما رجع سألها عن سبب تخريج الكتب في الشمس، فأجابته على سبيل التهكم به: لماذا لا أخرجها في الشمس وأهلك لم يتركوا لها أحداً يقرأها إلا أنت وأمثالك. فتأثر الشيخ بتلك المقالة، فترك الصيد وواظب على الدرس والقراءة ولا شك أنه قرأ على الشيخ الكندي، وقد تكون القصتان واقعتين، وعلى أي حال فإن أحد السببين كاف في التحوّل عن مسار اللهو
إلى مسار الجد والعمل الصالح. ولازم الشيخ جاعد الشيخ سعيد بن أحمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن محمد بن سليمان بن عبدالله الكندي النزوي من أهل الردة، وقد خرج من نزوى إلى وادي بني خروص لظروف كدرت عليه صفو عيشه، وتوفي بنخل ولا تزال ذريته باقية إلى اليوم بها.
فأخذ عنه الشيخ جاعد فنون العربية كالنحو والصرف والبيان وفنون العلوم الإسلامية كأصول الدين والتفسير والحديث والفقه والسير والتاريخ وغيرها ورحل بعد ذلك إلى نزوى فأخذ. عن الشيخ العالم هلال بن عبد الله بن مسعود العدوي النزوي، وعن الشيخ العالم حبيب بن سالم الامبوسعيدي النزوي وأظنه من أهل فرق وقد قال فيه ابن رزيق أعلم أهل زمانه وقصدته الوفود بالمسائل من كل بلد
من بلدان عمان) (2).
وعاصر الشيخ أبو نبهان الشيخ محمد بن خميس بن سالم البوسعيدي وكان بينهما تبادل آراء في
الأحكام (3).
ولكن الشيخ أبا نبهان فاق شيوخه وأقرانه بعدما تبحر في العلم وفتح الله عليه من كنوز المعارف ما
شهد به الركبان ويظهر لي - والله أعلم - أن الشيخ درس آثار العمانيين الأقدمين كثيراً، وخاصة آثار الشيخ أبي سعيد الكدمي فكثيراً ما يثني عليه ويقلده، ويحتج بقوله في مواضع كثيرة من جواباته، وذلك بعدما بلغ درجة الاجتهاد من العلم، ولقد تعلق بآثاره أيما تعلق وشغف بها أشد الشغف، وهذه بعض النصوص التي قالها في أبي سعيد:
1 - الشيخ عبدالله الخليلي - الحقيقة: 11 مخطوط، ابن رزيق - الفتح المبين: 146 نشر وزارة التراث القومي والثقافة طا ابن رزيق الفتح المبين: 146، وانظر مذكرة الشيخ مهنا في نسب الشيخ وحياته العلمية. 3 - السيد حمد بن سيف البوسعيدي - الموجز المفيد: 86
-97 -