قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ٩٦النص الأول في صفات النفس قال:
ومراد إن هذه الصفات على عددها كل واحدة منها في النفس تقتضي كون ضدها، في حالة الطرد والعكس، فيكون في موتها كون حياتها، وعلى العكس في حياتها كون موتها، وفي ذلها كون عزها وعلى العكس ففي عزها كون ذلها، وفي غيبتها كون حضرتها، وعلى العكس ففي حضرتها كون غيبتها، وهذا صحيح، ولكن فيه لأهل الضعف في الافهام نوع غموض وايهام فيحتاج في حقهم لاقامة البرهان إلى مزيد بيان، حتى يتضح لهم المعنى بحال فيرتفع الاشكال، ومن البيان له أن يعرف أولاً المراد بهذه الصفات في هذا الموضع، فإن الموت عبارة يطلق في هذه النفس الدنية في مصطلح الصوفية بوجه اختياري، على الحمية لها من شهواتها الردية، ومنعها عن مواضع رداها المخالفة هواها، ومن مساويها ورد دعاويها، والتهمة في جميع مراداتها، والأنفة من مجاراتها والتبري من حولها وقوتها وطولها، والرجوع إلى الله في جميع الأمور، والاستسلام لأمره في التزام الطريقة، بأنوار الشريعة وأسرار الحقيقة والخروج منها بالفناء عنها حتى تحمد فتنسلخ من رذائل صفاتها، وتنفسخ من غوائل أفاتها، وتطلع في سويداها أنوار العرفان فتنسخ ظلماتها، وتنشر أثارها بالاحسان في جميع الأركان، فتحيا لصفاء الأحوال بروح أسرار المعارف والأحوال، وهذه هي الحياة الأمدية الموجبة للحياة الأبدية) (1).
النص الثاني من شرح البيت:
تجلى ظهوراً بالصفات لذاته إلى طوره فاندك من نورها شهبا قال: وذاته عبارة عن نفسه التي هو هي لا غيرها وهي هو لا غيره، لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ليس كمثله شيء في ذاته ولا في شيء من صفاته، تسبح له السماوات والأرض، تعالى عن الطول والعرض، وعن درك الافهام، وتصوّر الأوهام، وجل عن الكيف والاين، وعن أن يرى في الآخرة والأولى بالعين، وتقدّس عن ان يكون له لون، أو يحوي نفسه كون أو تعتريه حركة أو سكون، أو يلحقه شيء مما يلحقه الخلق، لأنه الملك الحق مقدس النفس عن كل نقص ورجس، وقد أن إلي من هنا في هذا أن أقول انه مقام الذهول، وحيرة العقول، لأنه منقطع الاشارة لعجز العبارة عن حقيقة ذاته القدسية، من حيث انه ليس للخلق سبيل يصلون به إلى معرفته إلا بالذي جعله لهم من الأدلة عليها، ولم يجعل لهم علماً يدلهم على حقيقة ذاته، وإنما دلهم على معرفته بأسمائه وصفاته، ونصب لهم من جوده اعلام شهوده أدلة على وجوب وجوده فيه عرفوه، ولولاه ما عرفوه بصفاته ولا سموه بشيء من أسماء أفعاله ولا أسماء ذاته) (2). وكفى بهذين النصين دلالة على مقام هذا الشيخ العظيم في معرفته بربه وتجرده من أغيار النفس
الدنية واتصافه بصفات المعرفة للذات العلية.
المبحث الخامس: مكانته الفقهية
بلغ الشيخ أبو نبهان مبلغا من العلم بز فيه أقرانه، وصار من الشهرة والمكانة الرفيعة فيه بحيث يشار إليه بالبنان، قال عنه الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي عندما ذكر الشيخ ناصر بن أبي نبهان
1 - شرح حياة المهج. 1 - شرح حياة المهج.
-47 -