قراءات في فكر أبي نبهان
الجزء ١ · صفحة ٩٩ثم قال: وانظر ما كتبته لك ولا تقبل منه إلا ما وافق الحق) (1).
وقد عجز علماء عصره عن مجاراته في الاجتهاد، وفي سؤال وجه لابنه الشيخ ناصر بن أبي نبهان حول الاجتهاد قال السائل: (وقد اتفق العلماء في بعض الأمصار على تحريم القهوة ثم أتى من بعدهم والدك - قدس الله سره ونوّر فكره - ورأى ان تحليلها هو الأعدل، وأظهر الحجج على ما رأى، حتى ظهر نوره في عقول ذوي العقول من الورى انه هو الرأي الأكمل) (2). وفي جواب الشيخ ناصر لمن سأله فتعرض لذكر والده في الجواب ثم قال: (ولا يشك أحد في علو درجته في الفهم، وفضيلة منصبه في العلم). وقال في مواضع آخر: وحيث لم يرد الله الملك الخلاق، أن يكونوا على هذا الاتفاق كشفه الله على من ألهمه بجنانه، فأجراه على لسانه، فاستعمله في بلدانه، ولم أنفرد فيه بنفسي بل أعانني عليه بتصحيحه والدي أبو نبهان لمن اتخذته عوناً عليهم من
الإخوان) (3).
هذا كلام هؤلاء العلماء الجهابذة في علوّ مقام الشيخ أبي نبهان ورسوخ قدمه في العلم، ولا شك انه كان في زمان وبعد وفاته صار مشهور المكانة بين الخاص والعام، فإذا كان هذا موقف الخاص منه، فكيف
بمواقف العامة؟ ولله في خلقه شؤون يختص برحمته من يشاء، كما يجعل الحكمة في قلب من يشاء. ولا أدل على ذلك من كلام الشيخ أبي نبهان نفسه في مراسلاته وجواباته فقد جاء فيها ما يغني طالب العلم عن البحث عن شهادات المشهود وأقوال العلماء فيه، وسأنقل لك نصين ليتبين موقفه من الدفاع عن الإسلام واظهار معالمه.
النص الأول من رسالة له: (بسم الله الرحمن الرحيم يا من وصلني كتابه فلم أدر من هو جزاه الله خيراً، هذا عني جوابه، إن عمان لا يخفى على من بها ما قد ظهر على الغالب من أهلها فشهد من الفساد والطغيان، وهذه نازلة أخرى زيادة على ما هم به من البغي والعدوان وكأنها من أختها أكبر وأقبح وأضر لأنها داعية في دين الله إلى اطفاء نوره واخماده واظهار ما لا شك في فساده لعدم صوابه بدليل ما قد أنزل الله به على رسوله في كتابه، وخوفي أن تعم البلدان، فتمحو خير الأديان أو تبقي به في كتمان، ألا فاتقوا الله بأداء ما أمره والانتهاء عما عنه زجر، ولا تركنوا إلى من دعاكم إلى متالف الردى، تاركين لما كان عليه أئمة الهدى، فإنهم أقرأ منكم للتنزيل وأعلم بالتأويل، وأدل بالطريقة المثلى إلى منازل العلى، وقد ضربوا في منارها الصوى، فبصروا من العمى، وأمروا بالتقوى، ونهوا عن متابعة الهوى، واوضحوا لكم في دين الله ما لا مزيد عليه من الهدى، ودلوكم على المحجة البيضاء التي كان عليها سيد الأنبياء فعرفوكم ما تأتونه فرضاً ونقلاً وما تذرونه نية وقولاً وفعلاً، وبينوا لكم من زاغ عنها من أهل الجهالة فجادلوا أهل الزيغ بالتي هي أحسن لما بها من دلالة على صحة ما هم به وعليه وفساد ما عداه حتى ظهر الحق وبطل ما خالفه من دعوى العماة) الخ (4). النص الثاني: جواب لمن سأله عن رجل يدعى عمير بن محمد الغلابي ولا أدري أعماني هو أم لا؟
1 - السعدي، نفس المصدر السابق ص 98 - 99 جوابات
- السعدي، المصدر السابق: 262/ 2
نفس المصدر ص 265
- أبو نبهان جاعد، سيرة أبي نبهان مكتبة المخطوطات بوزارة التراث القومي والثقافة ص 1.
-44 -