قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ١٤٦الأول: هو جعل العرف والعادة لفظين مترادفين وإلى هذا ذهب كثير من العلماء فقد عرفهما النسفي في كتابه المستصفى حيث قال: العرف والعادة ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول وقال ابن عابدين العادة مأخوذة من المعاودة فهي
بتكررها ومعاودتها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس، والعقول تتلقاها بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فالعادة والعرف بمعنى واحد من. حيث المقاصد وإن اختلفا في المفهوم.
الثاني: وهم الذين قصروا العادة على نوع من العرف وإلى هذا ذهب الكمال بن الهمام حيث قال: (العادة هي الأمر المتكرر ولو من غير علاقة عقلية والمراد هنا العرف العلمي لقوم) ويكون تخصيص العادة بالفعل والعرف بالقول كما أوضح ذلك الفناري حيث قال: (حصر المشايخ قرينة المجاز في خمسة ما بدلالة العرف قولا والعادة فعلاً) ونحن إذا أمعنا النظر في هذين الاتجاهين نجد الخلاف لفظيا اصطلاحيا ولا مشاحة في الاصطلاح (1).
وموضوع الكتاب قد بينه المؤلف بشكل واضح حيث قال: وأما هذا – أي كتاب التعارف - فإنما قصدنا فيه إلى تبيين ما كلفنا علمه بالاستدلال والظاهر، وما يعلم بالقلب وسكون النفس والعادة الجارية، وقد سمى الله علم الظاهر لنا علماً لقوله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار (3). فسمي ما يحكم به علماً لنا بظاهر ما يظهر من الإيمان وتسكن إليه نفوسنا، وان كل علمه بايمانهن علم الحقيقة في قوله عز وجل و الله أعلم بايمانهن له (3).
ويضرب مثالاً آخر فيقول: (الا ترى أنه قد حرم علينا نكاح المشركات وأجاز لنا نكاح المؤمنات وجعل الدلالات على ذلك الظاهر، وجعل دليل الظاهر علما يفرق بين المباح والمحظور فمن استدل بالظاهر فعقد على مؤمنة نكاحا صحيحا فقد أصاب بذلك الظاهر ما أباح الله له،
(1) العرف والعادة وأثرهما في الفقه الإسلامي د/ إبراهيم بن أحمد الكندي - دار البيان - القاهرة 1996 م ص 13/ 12.
(2) سورة الممتحنة آية 10.
(3) كتاب التعارف ص 9.
146