قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٣٩وفي فصل آخر تحدثت عن أصول الاجتهاد فيما لا نص فيه من الإجماع والقياس ثم الأدلة التشريعية الثانوية من استحسان واستصحاب … وتوسعت في ذلك بما سمحت به المادة العلمية ثم تعرضت لمبحث التقليد والإجتهاد وموقف ابن بركة منها، ثم أنهينا البحث بتقييم لجهود الرجل، نرجو أن يحالفنا الصواب فى أكثرها والا نكون قد تجاوزنا الخطوط الخضراء في استنطاق النصوص وتقرير النتائج.
الوضع الأصولي حتي عصر ابن بركة
يعتبر الكثيرون أن أصول الفقه هو النموذج الأعلى للفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية ويرجع مؤرخو هذا العلم فكرته إلى أيام النبي صلى الله عليه وسلم حين كانت تعرض عليه الوقائع فينتظر في شأنها الوحي، فإن لم يأته جبريل - عليه السلام - بشئ علم أن ذلك إيذان من الله له بالإجتهاد. فيجتهد رأيه مستنيرا بما استفاده من الوحي، مستلهما مقاصده وأبعاده، وربما ألحق المسألة بنظائرها وأشباهها.
ولما توقف الوحي، وجاء عصر الصحابة - رضوان الله عليهم -، واحتاجوا إلى معرفة حكم الله -تعالى- فيما يجري من قضايا وهموم يومية ونحوها عولوا في ذلك على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم مستلهمين نصوصها شكلا وروحا، مسترشدين بسليقتهم العربية الخالصة، في الفهم والإستنباط وبدأت تظهر لديهم البوادر الأولى للأفكار الأصولية من قبيل الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، وظهرت فكرة القياس، عندما لاحظوا أن وقائع كثيرة لم تندرج في النصوص
الثابتة فقاسوها بنظائرها المنصوص عليها
لم يدون في القرن الأول شئ من القواعد الأصولية، وإنما بدأ ذلك، وبصورة بسيطة، في القرن الثاني من خلال الرسائل التي كان يتبادلها العلماء والفتاوى التي كان يصدرها المجتهدون في قضايا الفقه وغيره. ومع تطور المجتمع الإسلامي مدنيا من القضايا الجديدة ما يحتاج معه إلى الاجتهاد في معرفة أحكام الشرع، فكان من الضروري أن يكون للفقهاء، وقد بدأت تتميز اتجاهاتهم، مناهج تمكنهم من ذلك. فتطورت فكرة أصول الفقه، وبدأت الآراء
39