قراءات في فكر ابن بركة البهلوي مجموعة مؤلفين

قراءات في فكر ابن بركة البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٤٧

لقد تعرض ابن بركة لكل هذه المسائل وأبدى فيها رأيه، وشرح مواقفه بما يكشف عن إطلاعه على ما كتبه أهل الحديث والأصوليون الذين سبقوه في موضوع السنة وكان من الضروري لابن بركه، باعتباره أصوليا، أن يحدد الضوابط التي يتميز علي أساسها الكم الهائل من الأخبار المنسوبة الى النبي، حتي يصح الإحتجاج بها، وجعلها مصدرا من مصادر التشريع. وسواء متعلقت هذه الضوابط بالرواة (السند) أو المتن (نص الحديث فإنه لا مفر لابن بركة – كبقية الأصوليين – من أن يستفيد من الجهود التي بذلها علماء الحديث دراية، في ضبط أقسام السنة وتعريفها وبيان أحوالها، مع عرض تلك الجهود علي مقاييس الأصوليين ووجهات نظرهم.

أولاً: السنة النبوية: أقسامها ومراتبها:

لا يخلو نقل الأخبار، عموما، أن يكون متواترا أو أحاد. وهذا القسم الأخير قد ينتشر في الناس بعد الجيل الأول فيكون مستفيضا أو مشهورا كما يبقي أحاديا ينقله الواحد عن الواحد. لقد تعرض ابن بركة لهذه النقطة فتكلم عن أخبار الآحاد بقسميها، ومثل لها إلا أنه لم يعطها تعريفا يقيد معناها ويميزها عن غيرها، ربما اقتناعا منه بأن المصطلح في حد ذاته معبر عن حقيقته ومضمونه، إلا أن الأمر اللافت للإنتباه، عند ابن بركه، سكوته عن الحديث المتواتر إذ لم يشر إليه صراحة أو ضمنا. فهل يمكن أن يكون ابن بركة كبعض الأصوليين ينكر وقوع الحديث المتواتر، وإن لم يمتنع جوازه عقلا، أو ربما لندرته، وقد قال بذلك جماعة من أهل الأصول. إننا لا نملك من الأدلة ما يمكننا من القطع بأحد الافتراضين، ولعل المزيد من البحث في آثار ابن بركة التشريعية ما يعطي الجواب الشافي للمسألة.

تحدث الشيخ ابن بركة عن تقسيم السنة النبوية من جهة اسنادها إتصالا وانقطاعا، وأشار الي اهم الأحوال العارضة، على طريقة الأصوليين، فأشار الي المرسل والمنقطع والموقوف وخبر المتن وخبر الصحيفة. وأعطى لكل واحد منها تعريفا مبسطا يبين حقيقته، حسب ما أداه اليه نظره. ويبدو ان ابن بركة لم يوفق كل التوفيق في التمييز بين تلك الأقسام، كما هو الحال مثلا مع مصطلحي المرسل والمتن (12). ونحن لا نستبعد أن يكون ذلك راجعا الى عمل النساخ الأوائل لكتاب الجامع، إذ ليس من السهولة القبول بصدور ذلك عن رجل كابن بركة مع سعة اطلاعه

وعمق معرفته.

47