قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٤٩دلالة على فساده» (16). والسنة، عند ابن بركة، كما هي عند جمهور الأصوليين، مقدمة على القياس عند تعارضهما لأن القياس شكل من أشكال الاجتهاد بالرأي والقاعدة العامة عنده «لاحظ للنظر مع وجود الخبر» والمقصود الخبر الصحيح لا محالة
ثالثاً: ظاهرة الوضع واهتزاز الثقة بالسنة عند ابن بركة:
نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأسباب وعوامل ليس هذا موضع طرحها، أقوال وأفعال مزعومة لم تصدر عنه، سميت هذه الظاهرة بمسألة الوضع في الحديث، وقد أثارها علماء السنة وتوسعوا في طرحها وبيان أسبابها، ونبه عليها الأصوليون، وكان ابن بركة واحداً منهم. فعند حديثه عن إحدى المسائل الفقهية قال: والذي عندي أن أبا عبيدة ضعف الخبر، وطعن علي بعض ناقليه. وقد طعن مالك بن أنس في الخبر» (17). وقال في موضع آخر، في سياق أحاديث معارضة لما استفاض من السنة: ومثل هذه الأحاديث تؤكد في نفوسنا تكذيبا لهم في مثلها» (18). وفي سياق استدلاله عن مسألة فقهية يسجل ابن بركة: «ان الناس قد تنازعوا في صحة هذه الرواية فأبطلها فريق، وطعن في نقلها فريق» (19).
لقد أبرز ابن بركة سببين من أسباب الوضع الكثيرة التعصب المذهبي والعامل السياسي والنفعي. ففي سياق حديثه عن شهادة المخالفين وتبرير الرأى الفقهي في شأنها قال بصيغة الإنكار: ألا ترى أنهم يردون في أحاديثهم عن النبي الله بنقل العدول منهم، والفقهاء فيهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان معك عشرة أسهم فأرم في الخوارج منها بتسعة وفي المشركين بسهم» فمن كان يعتقد في المسلمين هذا الاعتقاد، فكيف يجوز أن يكون عدلا … ؟!!!» (20).
وفي ما يتعلق بالعامل السياسي في المسأله، يقول: «ومخالفون ينكرون منا أنا لا نقبل أحاديثهم ونقلدهم فيها، وفيهم عبد الملك بن مروان وأعوانه، والمهلب بن أبي صفرة وأبو هارون العبدي وأمثالهم … » (21)
لقد دفعت ظاهرة الوضع بابن بركة إلى أن يقف متحرزا من السنة، بعد أن تبين له أن ليس كل ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا، ومن ثم تولد لديه الشعور بالخوف من إقامة حكم الله على
49