قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٦٠مسألة النسخ عند ابن بركة:
النسخ موضوع مشترك تعرض له الأصوليون كما تكلم فيه أهل القرآن والحديث. وقد تعرض
له ابن بركة باعتباره أصوليا وبين رأيه فيه، وما وقف فيه من خلاف بين علماء عصره.
والنسخ، في نظر ابن بركة، واقع لا محالة في النصوص الشرعية، إلا أنه أمر عارض إذ الأصل أنه إذا رفع الصحابي خبرا عن الرسول الله بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه من المكلفين الى أن يلقى خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر وكان على من عمل بالخبر الأول الرجوع الي الثاني، وترك العمل بالأول».
والنسخ واقع حقيقة، والأدلة على ذلك ظاهرة. وفي النصوص ناسخ ومنسوخ» (والدليل أيضا أن «الشرائع ناسخة لبعضهما ما عدا التوحيد»، وليس للمنكرين، عنده، بعد ذلك حجة علي ما ذهبوا اليه من منع جواز النسخ عقلا ووقوعه سمعا. فإنكارهم مكابرة. فالنسخ ليس بداء، والنسخ غير التخصيص، فلكل حقيقة ومعنى. وكما عارض منكري النسخ فإنه أنكر على الذين أفرطوا في القول به حتى أجازوا على الله البداء، واعتبر ذلك تجاوزا للحق وإفراطا في القول.
ويرى الشيخ ابن بركة أن للنسخ، في اللغة، معاني ثلاثة: فهو يعني انتساخ شيء من كتاب قبله الى كتاب آخر، ويفيد التحويل والتبديل، ويفيد معنى الاحصاء» والذي يفهمه الناس في القرآن والسنة» فهو المعنى الثاني. فحقيقة النسخ الشرعية «أن يرفع حكم المنسوخ بكليته» خلافا للتخصيص الذي هو بيان. فإذا ثبت النسخ وجب العمل بالناسخ الثابت بالدليل، ووجب الايمان بالمنسوخ الذي نهينا عن العمل به بعد نسخه» إذا تعذر الجمع بينهما لتناقض حكميهما، وتأخر أحد النصين عن الآخر، فإن «الآيتين اذا أوجبتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة للأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى» والنسخ عند ابن بركة، لا يقع إلا في الأوامر والنواهي المتعلقة بالفروع. أماما عداها من أقسام الكلام، ومما يؤدي الى الكفر والشرك والكذب فلا يجري فيه النسخ
وفيما يتعلق بصور النسخ أشار إلى نسخ التلاوة دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون التلاوة، ونسخا
60