قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٧١هذين الطرفين من يعمل به في العقليات دون الفرعيات، ومن يعمل به في الفروع دون الأصول (78)، ثم يعرب عن موقفه الشخصي في المسألة ويصرح بأنه واحد من أهل المذهب القائلين بالقياس، وهو الرأي الذي اختاره جمهور الأمة، وقد نبه ابن بركة على أن بعض أصحابنا المتقدمين قد أنكروا العمل بالقياس، حسب ما يفهم من ظاهر قول بعضهم. فقد نسب إلى الشيخ هاشم بن غيلان (ق 3) القول بأن من أفطر رمضان متعمدا، بغير جماع، أن عليه قضاء شهره والتوبة إلى الله من فعله ولم يوجب عليه كفارة ولا غيرها، ولعله كان ممن لا يقول بالقياس ولا يراه واجبا في باب الأحكام (79) ثم حاول أن يجد لهم مستندا فقال: «ولعلهم ذهبوا إلى ما يروى عن ابن عباس أنه قال: من حمل دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس ضالا من الدين قائلة غير الجميل» (80).
والظاهر أن الرواية عن ابن عباس لم تصح عند ابن بركة إذ نجده في موضع آخر ينسب إليه القول «بجواز القياس والحكم بالنظر» (81) بدليل أنه حكم بعدم صحة بيع عموم ما لم يقبض قياسا على النهي عن بيع الطعام قبل قبضه الثابت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، من اشتري طعاما فلا يبعه حتى يقبضه» (82) وعلى هذا الرأى الأخير استقر العمل في المذهب، وقرره ابن بركة. فمن خلال رده على من اعترض عليه في وجوب الجزاء على من قتل الصيد خطأ بقوله: «قيل له (المعترض): إن من شأننا القول بالقياس. وقد أوجب الله تعالى في قتل الخطأ في النفس كفارة. ومن أصل القائمين أن يردوا المسكوت عنه إلى المنطوق به (83)، والحكم عنه يثبت إما بأصل منصوص عليه وإما بفرع مقيس على أصل (84) لم يكتف ابن بركه بالقول بالقياس الشرعي وإنما تجاوزه فأجري القياس في اللغة وأثبتها به وهو مذهب بعض اللغويين والأصوليين. فقد جاء عنه أن «الزنا هو الدخول في مضيق الفرج، فكل من دخل في المحظور يسمي زانيا ولزمه الحد الذي وجب بالكتاب والسنة … فالواطئ للبهيمة، والواطئ لذكر في دبره والواطئ للمرأة في فرجها أو دبرها يسمى زانيا، وعليه ما على الزاني بظاهر الأدلة» (85).
ويرفض ابن بركة فكرة إنكار القياس، ويقول إن «المانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه» (86) تعبيرا منه على أن ترك القايس نوع من المكابرة التي لا تليق، ثم عرض حجته
71