قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٧٤الشرعية كونها مستنبطة فقد ذكر أن من العلل ما يكون منصوصا عليه» (105).
أن القول بحجية القياس يستلزم، لا محالة، القول بالعلة والتعليل. وابن بركة يرى أن الأصل في الأحكام التعليل، وهو الأغلب من أحوالها، وأن عدم التعليل هو خلاف الأصل، ويطلق على ما لا يعلل من الأحكام بأنها تعبدية.
ولكن لا يعني هذا أن كل المسائل التي تقبل التعليل قابلة لأن يقاس عليها. فأحكام كثيرة قامت على العلة، وامتنع القياس عليها لأن العلة فيها قاصرة كما في مسألة التفريق بين الزوجين بالزنا المستتر، فقد خاطب ابن بركة من اعترض عليها فيها بقوله: «قد عرفناك أن الإجماع قد منع من ذلك (القياس). وقد يخص الاجماع بعض ما يشتمله الاسم فيكون حكمه قد خرج من جملة ما دخل تحت الاسم وليس بمنكر ذلك مع العلماء» (106). ويسمي الأصوليون هذه الصورة بتخصيص العلة، وهي فارق مميز بين العلل الشرعية والعقلية، فهذه الأخيرة عند ابن بركة ثابته غير قابلة للانقلاب أما الشرعية فلا يمتنع معها التخلف، ولا يمتنع خلاف العلماء فيها، إذ نجده يقول: «وأما القائسون في باب الحلال والحرام فجائز عندهم أن يرد السمع بخلافه، وإذا كان ذلك يجوز كأن علة طريق القائسين غير علة ما لا يجوز إنقلابه لأن العلة التي يوجبها العقل لا يختلف فيها العقلاء، ألا ترى أنهم اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أصولا لهم، وتأويلا يرجعون إليه ومعقلا يفزعون عليه في استنباط الحكم عند الحوادث النازلة بهم التي لا نص عليها باسمها (107).
ومن شروط صحة علة القياس، عند ابن بركة أن تجري على معلولاتها، ولا يمنع من جريانها نص. فإذا جرت في جميع معلولاتها، ولم يكن هناك مانع عن جريانها، دل على صحتها» (108). والشرط الأخر هو أن يوجد الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها» (109). وهو ما يسميه أصوليون بالدوران والطرد والعكس ومن المسائل الواردة في العلة عند ابن بركة تحليل الحكم بأكثر من علة، فقد اعتبر ذلك التعدد علامة القوة إذ نجده يقول: «وإذا كان القياس على أصلين أو ثلاثة أصول فهو أقوى من التعلق بأصل واحد والسنة تؤيده وحكم الشرعية يوجبه. كان الراجع بقياسه إلى أصلين أعم لعلته. (110)
??