قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٧٩والمراد بالعبارة الأخيرة موافقة ذلك لروح الشريعة ومبادئها العامة. ومن الأمثلة التي يكون العرف فيها حجة الجلوس على الكرسى في بيت المضيف بلا إذن منه فانه لا يعد من التصرفات في مال الغير المنهي عنها بل هو ما جرت به العادة وتعارف عليه الناس، إذ لو جلس الضيف على الأرض أو ظل واقفا مع وجود الكرسى لم يعد صنيعه من الزهد والتعفف والورع والعرف كغيره من الأدلة الثانوية إنما يفيد غلبة الظن الذي يحصل به سكون النفس مما يدخل في علم الظاهر وهو القسم الثاني من أقسام العلوم إلى جانب العلم الضروري الحاصل بالمشاهدة والتواتر مما يوجب القطع (128).
الحكم الشرعي وما يتعلق به عند ابن بركة:
لم يكتب ابن بركة في مسائل الحكم الشرعي كتابة مباشرة، كما فعل مع الكثير من القضايا الأصولية، وإنما أشار إليها بصورة عرضية، عندما تدعو المناسبة إلى ذلك فتحدث عن الأحكام الشرعية التكليفية الخمسة وعرف بعضها، وميّز بين البعض الآخر، وتعرض لأحكام الوضع ولكن من غير تصريح بالمصطلح وأشار إلى التكليف وعوارض الأهلية ولحق الله وحق العبد. ومن الطبيعي ألا يفصل ابن بركة الحديث في كل تلك المسائل لأن طبيعة الكتاب وموضوعه يمنعانه من التوسع والتعمق فهو لم يخصصه لأصول الفقه، وإنما جعله للفروع الفقهية المستندة إلى الدليل الشرعي (129).
التقليد والاجتهاد عند ابن بركة:
لقد جاء في رسالة التعارف أن ابن بركة كان ينوي تأليف كتاب في الاجتهاد يبين فيه حقيقته وشروطه والحاجة المستمرة إليه (130).
ومن المؤسف أننا لا ندري أن تمكن ابن بركة من تحقيق أمنيته أم لا، إذ أننا لم نعصر على ذكر لهذا الكتاب عند من جاء بعد ابن بركة يكفي أن تراود الفكرة صاحبها لنعلم موقفه من الاجتهاد والتقليد فعرض الفكرة في حد ذاتها دليل على أمرين:
79