قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٨٢من آثار القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع الأصولية إلا القليل النادر؛ وأن ما بلغنا منه إنما هو نقول ورايات مجزأة ومبتورة عن إطارها العام من كتاب صاحبها، نقلها لنا علماء القرن الخامس وما بعده إلا أن هذا الأمر لا يمنعنا من التذكير بما سبق تقريره من أن عصر ابن بركة عرف أزدهارا في البحث الأصولي كما عرفته بقية مجالات الفكر العربي الإسلامي. فقد نقلت لنا كتب الفهارس وغيرها عناوين كثيرة في القضايا بالأصولية سواء في رسائل مستقلة تعالج المسألة والمسألتين، من حيث إثباتها أو ردها ونقضها مع حشد الأدلة النقلية والعقلية علي ذلك، إضافة إلى ما يعقب به فقهاء ذلك العصر على فروعهم الفقهية من آراء أصولية بنوا عليها تلك الفروع. ويبدو أن ابن بركة قد اختار الأسلوب الأخير في عرض آرائه الأصولية، دون أن يخصص كتابا مستقلا للتنظير الفهقي. ولعله كان يرى عدم الحاجة إلى الفصل بين الفقه وأصوله أو بين النظرية والتطبيق. وهذا تعبير منه عن مرحلة من مراحل هذا العلم قبل الاستقلال التام الذي سيعرفه النصف الثاني من القرن الرابع وما بعده.
لقد صرح ابن بركة بأنه لن يسهب في مباحث الأصول، وأنه سيأتي منها بما فيه الكفاية، بقدر ما يعين الفقيه على استنباط الأحكام من جهة، وما يساعد على فهم وإستخراج الأصول التي يقيم عليها غيره فقهه كي تتيسر مناظرته بالوقوف على قوتها وضعفها. فقد كتب ابن بركة، في آخر البحث الأول: «ونحن نذكر بعد هذا، في كتابنا هذا من هذه المعاني ونبين من ذلك ما يرغب
إلي الله في توفيقه لنا».
ويوحي هذا الكلام بمعرفة صاحبه معرفة واسعة بقضايا علم الأصول ومسائله، والغاية التي دون من أجلها. ولما لم يكن كتاب «الجامع» مؤلفا اصوليا، كان من الطبيعي أن تأتي مباحثه الأصولية موزعة على غير نظام، وأن لا يأخذ بعضها برقاب بعض وإنما تبقى المناسبة الفقهية هي التي تحدد ورود المسألة الأصولية، إضافة إلي ما حدث للكتاب من عبث النساخ، وصروف الزمان. وقد نتج عن السبب الأول اضطرار المؤلف إلى أن يقع في تكرار المسائل الأصولية لتكرر الفروع الفقهية القائمة على أصول متماثلة وعمق السبب الثاني هذه الظاهرة التي يلاحظها كل
من قرأ الجامع.
82