قراءات في فكر ابن بركة البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٨٣توصلنا، بعد قراءتنا السريعة لكتاب الجامع ورسالة التعرف إلى أن ابن بركة قد تمكن من كتابة مباحثه الأصولية، وتقرير آرائه وقواعدة من خلال إطلاعه الواسع على ما كتبه فقهاء المذهب وما قيدوه من أصول بنوا عليها فروعهم الفقهية سواء صرح بها أو فهمت ضمنا والجانب الثاني من مصادر الشيخ إنما هو ما ألفه الأصوليون في عصره، وفق مناهجهم واتجاهاتهم
المختلفة
فقد ذكر منهم أهل الظاهر والمعتزلة والأحناف و ...... والشافعي وأصحابه وأهل أصحابه الحديث، وأهل الرأي. وقد استفاد ابن بركة من مستوى البحث اللغوي الذي جعل منه مدخلا لفهم النص الشرعي، وتوظيفه التوظيف السليم.
وقد تبين لنا من خلال عرضنا للقضايا الأصولية المطروحة والموزعة على جزئي كتاب الجامع، وترتيبنا لها، وفق ما تعارف عليه الأصوليون من مباحث تبين لنا أن الشيخ ابن بركة واسع الاطلاع على علم الأصول، ولو قدر له أن يصنف في هذا الفن تصنيفا مستقلا لجاء به في أحسن صورة، مستوعبة مسائله وقضاياه إلا أنه أختار منهجا مغايرا يجمع فيه بين الفروع والأصول، وهذا يمثل صورة من صور التأليف في عصره، إلي جانب الخطوات الأولى على طريق استقلال الأصول عن الفقه. وابن بركة بإختياره منهج الربط بين الفقه والأصول أراد أن يعبر على العلاقة الوثيقة بين العلمين، فلا قيمة لنظريات لا تثمر فائدة عملية، كما أنه لا قيمة لفقه لم يقم على أصول قوية.
وإلى جانب هذا فإن منهج ابن بركة يوحي بأن صاحبه أميل إلى منهج المتكلمين في التأليف الأصولي الذي سيغلب عليه، في زمن لاحق، طابع التنظير والاهتمام بتحقيق الآراء الأصولية وتنفيحها بعيدا عن الفروع الفقهية، ولا عجب أن يكون ابن بركة أميل إلى هذا الاتجاه، فهو رجل متكلم وله مواقفه السياسية من أحداث عصره، ولا شك أن علم الكلام والتنظير السياسي أقرب إلي التفكير الفلسفي المجرد، بقطع النظر عما يكون عليه الواقع لأنهما يبحثان فيما يجب أن يكون عليه الواقع، لا ما هو كائن. ولكن لا يجب أن تذهب بنا هذه الملاحظة بعيدا. فرغم ما كتبه الشيخ ابن بركة عن مسألة تكليف الجن وثوابهم وعقابهم، ومخاطبة الكفار بفروع الشريعة ومسألة
83