الفكر السياسي من خلال سيرة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي (1299-1373هـ) الحسني، سليمان بن سامي بن سليمان

الفكر السياسي من خلال سيرة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٦٠

المبحث الثاني: تعامل الإمام مع الرعية

- المطلب الأول: مع العامة:

كما ذكرنا في المبحث السابق، لم يجعل الإمام نفسه في طبقة أرقى من طبقة الشعب، والكلمة متفقة على

ذلك.

فقد كان يباسط الناس الخاصة والعامة، ويقص لهم القصص الدينية و الآداب الدنيوية، يسلي المتوجع، لا يرد سائلا ولا مسترفدا، ولا يملك ما بيده أكرم أهل زمانه، كأنما عناه القائل:

ولو لم يكن في كفه غير نفسه

لجاد بها؛ فليتق الله سائله

يجلس إلى الناس الخاصة والعامة، يباسطهم ويعلمهم أمر دينهم ودنياهم، يقضي نهاره في خدمة المسلمين، يجرّه

المرأة والخادم والصغير والكبير والضعيف والقوي، لا يأنف من أحد، فيقضي حاجتهم ويرجع إلى مجلسه، حتى

أنه في بعض الأوقات يتولى بيده علاج المرضى من الضعفاء، ويتولى كل أمور المسلمين حتى بروات

1

الطعام

لدواب الضيوف ودواب الدولة.

ملك روح

الشعب بالسياسة واللين لا بالقوة والجبروت، عظمه الناس لصغر الدنيا في عينيه

فلا

يري

لها قدرا.

كان قبل ارتقائه عرش الإمامة في رغد من العيش، وتألق من اللباس؛ لأنه كان غنيا، فلما ولي الأمر رغب عن ذلك مع كثرة غناه، فكان يطوي الأيام والليالي ويفطر على التمر والعوال.

كان لا يلوم أحدا على ما يكون العذر في مثله، يلتمس العذر لإخوانه والتخلص له من العثرة، لا يشكو وجعا ولا صاحبا، ولا ينتقم من الولي على العدو، ولا يغفل عن الولي، لا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، ولا يتبرم ولا يضجر، تأتيه الحوادث وتطرقه الكوارث، فلا يتغير ولا يتضعضع، يتلقاها بصدر أوسع الدهناء، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.

من

1

مفردها "بروة" وهي عند العمانيين وريقة صغيرة تختص بأمر، عاجل كصرف مبلغ من الأموال مثلا.

57