أحكام تشييع الجنازة
الجزء ١ · صفحة ١٨م أحكام تشييع الجنازة.
قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط)) ففي هذا الحديث
يخبرنا النبي عن فضل اتباع الجنازة ليحثنا عليه.
المطلب الثاني: مشروعيتها من الاستدلال العقلي
لو نظرنا إلى هذه المسألة من جهة عقلية لوجدنا أن الإنسان إذا مات وترك على حاله ولم يوار فإنه سيفسد، وسيكون أذى للأحياء، لما ستخلفه هذه الجثة من روائح كريهة وكائنات مضرة، وكفى بها منظرا تتشوه به، البلاد هذا لو مات إنسان واحد فما بالك لو اجتمعت أكثر من جثة في الأرض كيف سيكون الحال؟! فهذا دليل من المعقول على مشروعية ذلك؛ إذ إنه من مقاصد الشريعة حفظ النفس حية أو ميتة، وتحفظ النفس الميتة بحفظ كرامتها، فلا تترك للسباع والطيور، وهنا جاءت إشارة إلى هذا الأمر في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ (31)﴾ (المائدة) ففي الآية إشارة إلى الدفن، والدفن جزء من التشييع، (2) ولو لم يكن حمل الميت ومواراته مشروعا لكان ذلك منافيا لهذا المقصد، وهو حفظ النفس الحية ومنافيا
لكرامة الميت.
وفي تشييع الجنازة امتثال لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى (2)﴾ (المائدة) ومن أرقى صور التعاون على البر والتقوى أن يواسي الرجل أخاه في مصيبته وامتثالا لقوله تعالى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) (طه)، فعودة الإنسان إلى الأرض لا تتحقق إلا بالتشييع، ثم إن الناظر في تعامل الإسلام مع الموتى يجد التكريم الرباني في ذلك، فالإسلام قد اهتم بالإنسان اهتماما بالغا، حيث إنه اهتم به منذ أن كان جنينا، واهتم به في مراحل عمره الوسطى، واهتم به في مراحل عمره الكبرى، واهتم به كذلك عند موته.
(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب اتباع الجنائز من الإيمان، رقم الحديث 47.
(2) كما تقدم في التعريف، ص 12.