اعتبار المآل وأثره في العقود المالية المعاصرة الحارثي، المقدام بن خليفة

اعتبار المآل وأثره في العقود المالية المعاصرة

الجزء ١ · صفحة ٣٣

الفرع الثاني: ضابط الاعتبار الشرعي للمصلحة وشروط الأخذ بها

أولا: ضابط الاعتبار الشرعي للمصلحة:

إن المصالح الأخروية لا مجال لمعرفتها إلا من قبل الشارع عز وجل؛ لأنها مما اختص به

311

الله

من

علم الغيب، أما مصالح دنيا الناس، فللعقل مجال لإدراكها، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فالإنسان بعقله قادر على تقدير النافع والضار من خلال التجربة والمشاهدة، ولذا قرر سلطان العلماء العز بن عبد السلام أن أمر المصالح والمفاسد مما يدرك بالعقل فيما لم يتعبد الله فيه الخلق، إذ يقول: "وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها، فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات ( … ) ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحها ومرجوحها فليعرض ذلك على عقله، ( … )، ثم يبنِ عليه الأحكام، فلا يكاد يخرج حكم منها عن ذلك، إلا ما تعبد به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته"، وقد كان لإطلاق ابن عبد السلام في عبارته في اعتبار العقل في الكشف عن المصلحة داعيًا للإمام الشاطبي أن يزيل ما يمكن أن يعلق ببعض الأذهان من الوهم بالاعتماد على العقل في معرفة المصالح دون الشرع، فقال في معرض رده على مقولة ابن عبد السلام: "ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق، لم يحتج في الشرع إلا إلى بثّ مصالح الدار الآخرة خاصة، وذلك لم يكن، وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة معا"، فالشرع الحنيف جاء ببيان مصالح الدنيا كما جاء ببيان مصالح الآخرة، ولو كان أمر مصالح الدنيا راجع إلى العقل فحسب لاكتفى الشارع عز وجل إلى بيان مصالح الآخرة دون مصالح الدنيا.

2

ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 279. ينظر: الماحي، قندوز محمد، قواعد المصلحة والمفسدة عند شهاب الدين القرافي من خلال كتابه الفروق، دار ابن حزم، ط 1 - 1427 هـ / 2006 م، ص 129.

3

النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي، رقم الحديث (2363)، ص 1176.

4

السلمي عز الدين بن عبد السلام (660 هـ)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار المعرفة، د. ط، د. ت، ج 1، ص 8

(بتصرف).

5 الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 48.

30