فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الجزء ١ · صفحة ١٨ولا يواظب عليه مع أنه بينه وبين الدولة عقد عند تعيينه، يقتضي أن يؤدي هو كذا وكذا من الأعمال وكذا من الساعات فتفي الدولة بما عليها، ويصله الراتب كاملا آخر كل شهر، بينما لا يلتزم هو بالعمل أو يتحايل في تأخير المنجز منه أو إبطاء البت في معاملات الناس أو تركها حبيسة الأدراج، وليس للمرء الحديث عن الفساد وضبط الإنفاق بينما هو يبني من منازله ومشاريعه ولو زحف على أوقاف المسلمين بإدخالها في ممتلكاته أو اغتنام فرص مواتية لضم مواقع من نخيل وغيرها لتصبح في حوزته أو القيام بإدخال طرق ضيقة قديمة صارت مهجورة ضمن حوزته فإن فعله هذا لا يختلف عمن يندد بهم أو يتهمهم (فالقليل من أموال الناس يورث النار) من اقتطع مال مسلم أوجب الله عليه النار، فقالوا ولو كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: ولو كان قضيبا من أراك) فكيف جاز الحديث عن إشاعة فساد فلان بينما هو غارق فيه حتى الأذقان؟ إن الإمام جابر بن زيد كان يقول: كبيرتان كبيرتان إلى النار سفك الدماء وأكل أموال الناس، وقد ورد أن جابر بن زيد كان يضطر في بعض الأوقات في البصرة أخذ أعواد من قصب السكر الجاف ليطرد بها الكلاب الضالة، ثم يرد العود إلى موقعه (طبقات المشايخ للدرجيني).
(9 التلطف في الخطاب: إن التلطف في الخطاب واللين في العتاب هو مظنة تحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقدار ذلك يختلف باختلاف الناس وأحوالهم، ولنا أسوة بما ذكره الله من خطاب موسى وهارون النبيين لفرعون المدعي للألوهية وانفراده بها إذ حكى الله عنه قوله {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَيْهِ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطَّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطْلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُتُهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ
18