مدخل إلى التمييز العنصري في عمان
الجزء ١ · صفحة ١٣وكَأَنَّ التاريخ يُعيد نفسه عبر رسالة أخرى يرسلها الشيبة إلى صديقه أبي الوليد: "السلام عليك كما انهمر الغمام، وما توالت الأيام، أخبار هذه البلاد آل 30 وخيال، وسفاسف تعافها عقول الرجال "31
في الجانب الآخر يُوجه "الشيخ محمد بن الحارثي" إلى سعود بن حميد سؤالا نحويًّا بالصيغة الشعرية الثالية: أهدى السؤال إلى سعو دٍ مَن سَمَا وزكا وبر أعنى به قاضي الإما
32 TM
•
33
م أبو الوليد المشتهر وواضح مقدار الاحترام المتبادل بين الطرفين حين يتعلق الأمر بعلاقة ندّيَّةٍ منشؤوها العلم والسياسة والمعرفة عموما، وإلا لما أسدى سعود بن حميد ذلك المعروف العلمي المتجرِّد من أضغاث العصبيَّةِ القَبَلِيَّةِ، والقائم على الجهد العلمي المشترك، فعندما يأتي الحديث في كتاب "نهضة الأعيان بحرية عُمان" عن الشيخ المحتسب صالح بن علي 34 الحارثي الشخصية القيادية ذات المؤهلات المتفردة حسبما ينعتها الكتاب، والتي كان صاحبُها ". يقظا حازمًا متواضعًا للحق، سريع الرجوع إليه إذا ثوقش … "35، نقرأ في الصفحة التالية: ا … وله رسائل ومجلد ضخم أجوبة مسائل في الفقه، رتَّبه شيخنا القاضي أبو الوليد سماه "عين المصالح في أجوبة الشيخ صالح".
"
"
لقد قلبت الصورة تماما، وشوهت وأصبحت بغير حقيقتها، بغير صفتها التي كانت عليها
في الواقع، لكنَّ الكتب تحفظ التاريخ؛ للعبرة وإعادة الاعتبار؛ "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلى الله على سيّدِنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم. قد جعلتُ سعود بن حميد بن خليفين قاضيًا على ديار حبس، وعلى سناو، وديار الشروج والخضرا والخرما ووادي عندام الفليج وبلدة بعد وسمد وتوابعها، ليحكم بين أهلها بحكم الله جل وعلا الذي يجده في كتابه، فإن لم يجده فبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجده فما أجمع عليه المسلمون، حتَّى يُخرج الحقَّ من الظالم للمظلوم، وليعدل بينهم في حكمه، وجعلت له فرض التَّفقاتِ والتَّوكيل للأيتام والغياب وتزويج من لا وليَّ لها في المصر، وتطليق من عَجَزَ زوجها عن نفقتها، كل ذلك على وفق ما يقتضيه الحكم، وتجيزه العلماء، وينهى عن المنكر، ويأمر بالمعروف، ويُؤدِّبُ مَنْ يستحقُ الأدب بما يستحقه كتبته بيدي وأنا إمام المسلمين محمد ابن عبد الله، في ليلة 11 من ربيع الآخر سنة 1352 هـ " 36
ويُوردُ الشيبة ثمانية أجوبة لكتب أرسلها إلى سعود بن حميد بادئا إيَّاها هكذا: "جواب لكتاب وصلني من صديقي القاضي أبي الوليد"، وفي الأجوبة الثمانية يُسبغ عليه صفات تضع له مكانة كبيرة تتضح من الثالي: "إلى من فك المعمى، وفصل بين الاسم والمسمى، وعناه القائل بقوله: أنا نظر إليَّ الأعمى. أفسح الله له في العمر، وأعاننا وإيَّاه على نوائب الدهر .... " 37. وأخرى "السلام عليك والرحمة والبركة يتواليان إليك فى القيام والقعود والحركة، أخوك الصَّب يحمُدُ إليك الرَّبِّ … تناولت بكل احترام كتابك الكريم، فأنساني سرح العيون ورسائل بن زيدون … وناديتُ على رؤوس الأشهاد أن شيخ المشايخ 38 فتق أديم الفصاحة، وفتح سوق
30 "الآل: السراب أو هو ما يُشاهد في الضُّحى كالماء بين الأرض والسماء كأنَّه يرفع الشخوص". (المنجد). 31 "نهضة الأعيان بحرية عُمان"، ص 541. 32 "سما- سُمُوا: علا وارتفع". "زكَا زَكَاءً ورُكُوا … وزكِيَ الرَّجلُ: تنعم وكان في خصب". وأقرب معاني "بر" حسب سياق البيتين هما: "بَرَّ- بَرَّا وبرا وبَرَارَةً وبُرُورًا في قولِه صَدَق … البُرُّ والبَّارُّ ج أبْرار وبَرَرَة: الصَّالح // المُحْسِن// الكثير البر// الصَّادق"، و"بر - برا: اتَّسع في الإحسان". (المنجد في اللغة). ابن خليفين الشاعر الفقيه، مرجع سابق.
33
34 35
36
38
ص 83.
ص 84.
عهد من عهود الإمام الخليلي، نهضة الأعيان بحرية عُمان"، ص 508.
37 نفسه، ص 538. هامش في أسفل هذه الصفحة: "قوله: شيخ المشايخ هم الشيوخ الذين قرأوا عليه بالمضيرب، وهم آل حميد"، وهم حرث أيضًا.
13