مدخل إلى التمييز العنصري في عمان
الجزء ١ · صفحة ١٧وفي أيام السلطان تيمور بن فيصل "كثر الشغب واضطربت الأحوال، وعاث اللصوص في الباطنة والشميلية، حتَّى إن الفرد لا يستطيع الخروج من بلد إلى بلد آخر إلا بجماعة تحميه وتناولت أيدي المردة كل من صادفته. وبلغ الأمر أنه في عام 1344 خرج من صحار السيدان خالد ومحمد ابنا محمد بن تركي، ابنا عم السلطان تيمور بن فيصل بن تركي، فقبض عليهما الحراس، وخليفة بن الحبل القتبي في سيح السميني فباعوا أحدهما على سيف بن راشد النايلي بالبريمي، والآخر على العوامر، فجلبوهما إلى ضنك ففهما الشيخ حمد بن أحمد اليحيائي عن ألف وستمائة، قرش، فأرسل بخالد إلى والي صحار يعرب بن قحطان فاستلمه منه، وبقي محمد عند الشيخ اليحيائي ثماني سنوات، وبعد ذلك أرسل به ابنه خليفة إلى السيد حمد بن فيصل فسلمه إليه .... " 61.
إنَّ التاريخ مليء بما لا يدعو إلى الفخر أبدًا. وإذا كان الأمر قد وصل إلى هذه الدرجة المفزعة فلنا أن نتصوّر الجرائم التي ارتكبت في حق المستضعفين والعزل والجماعات الصغيرة التي كانت بمثابة أقليَّاتٍ لا تحميها قبيلة ولا حاكم، وبالثالي، إن لم تنضو تحت لواء قبيلة، ثباعُ وتشترى كالأغنام كلُّ هذا لم يحدث قبل الإسلام بل في ظله وظل قوانينه الداعية إلى المساواة أساسا، وهو ما يعني أنَّ القوَّةَ هي الفيصل، أما الدين فيُجيَّر ويصبح مادَّة للتأليف الداعم للجبروت. لماذا لا يغيب الماضي في ذمَّةِ التاريخ؟ الأولى مواجهته ودرسه وتفكيكه ليتم تجاوزه بوعي بقاؤه سرا يعني الخوف من مواجهته، وإنَّ الطامة الكبرى أمس واليوم وغدًا هي تربية الأجيال المتعاقبة على عدم مساءلته، وعلى الإيمان به كمسلمات لا تقبل النَّقاش رغم أنَّها تنهار على الفور، وتدمع المؤمنين بها بأحط الصفاتِ وأشنعها. لقد بلغ السَّيلُ الزُّبي، وآن الأوانُ لتحطيم أصنام الماضي المتمثلة في أفكاره العنصرية قبل أيّ أفكار سلبيّة أخرى. ما أسهل النَّفي والزعم والقول بما ينقض هذا لكن ما الجدوى؟.
"للتاريخ أثران متناقضان بل لنقل إن التاريخ تاريخان التاريخ العبء، والتاريخ الحافز. فثمة تاريخ يُثقِلُ كاهل صاحبه فردًا كان أو أمة - ويَشْلُ حيويته، ويُضعِفُ هِمَّتَه، ويجعل إنتاجه هزيلاً سقيمًا. وثمة تاريخ آخر يُحقَّرُ ويُنشَط ويبعث، ويدفع إلى الإبداع والتَّقدم … إنَّ من الخير أن يكون تاريخنا حافزًا لنا لا عبئًا علينا " 62.
النظام الأساسي للدولة ومواثيق حقوق الإنسان
تتفاقم المشكلة عندما تُتجاهَلُ القوانين والأنظمة والحقوق، وتُصبح مجرد حبر على ورق، مادَّةَ صالحة للتّداول كرديف لفعلِ يُناقض جوهرها؛ فالمادة (27) من النظام الأساسي للدولة على سبيل المثال تنص على أنَّ "حريَّة الرأي والتَّعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون"، وإزاء هذا النَّصّ الصَّريح ماذا يعني إغلاق موقع إلكتروني والتحقيق مع عددٍ من المشرفين على منتدياته، وحجز بعضهم؟ وقس على ذلك المادة (12) من "المبادئ الاجتماعية" التي ينص عليها "النظام الأساسي للدولة": - العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العُمانيين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة. التعاضد والتراحم صلة وثقى بين المواطنين، وتعزيز الوحدة الوطنية واجب. وتمنع
الدَّولة كلَّ ما يؤدّى للفرقة أو الفتنة أو المساس بالوحدة الوطنية. فلماذا تعطل هاتان المادتان أيضا ويُتغاضى عن تلك "التوصية" ويتم تمريرها، ومن أين تستمدُّ وزارة الداخلية العُمانية تلك الجرأة المستغربة على اختراق النظام الأساسي للدولة؟. لا شك أنَّها مطلعة على المادَّة (12) السالفة الذّكر ببندين من بنودها فقط، ولكنها تتعامل معها
61 نهضة الأعيان، ص 253، 254. نحن والتاريخ مطالب وتساؤلات في صِنَاعَةِ التَّاريخ وَصُنْع التاريخ، قسطنطين زريق دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة،
62
1985، ص 208
17