مدخل إلى التمييز العنصري في عمان
الجزء ١ · صفحة ٢٣ينتهي- كما يبدو واضحًا حدَّ الرُّعب - هو الآثار المدمرة التي يُخلّفها مثل هذا الحكم، فإذا كان هذا رأي القضاء فما رأي القبائل؟!.
العزلة والزَّواج "المنظم"!
نستطيع القول: إن بلادنا لا تعاني من مشكلات عنصرية، لكن ما الجدوى من التسويف طوال الوقت؟، ولأي هدف أو سبب أو ضرورة ملحة؟. تسويفٌ كهذا ينفي المصداقية والثقة، ويتذرع بالحيل ولا يحلُّ المشكلة بل يُطيلُ أمدها، وبالثالي يقف عائقا أمام أي تنمية حقيقية وفعلية تنهض على أفكار تقدمية وحُرَّةٍ ومسؤولة ومدركة للزمن ولما تقوم به، فالطور البدائي الذي ثراوح فيه سلطنة عُمان بين ماض منقرض وحاضر تُريدُه إحياءً لذلك الماضي- لن يخلق سوى مكاسب آنيَّةٍ وخاصَّةٍ تُفاقِمُ المشكلة وتعيدُ إنتاجها بأشكالٍ ومسمَّيات تحتال على الزَّمن وتتطاول على حقوق النَّاس بذرائع يُشرِّعُها القانون ويُكسبها صفة الإلحاح والضرورة، رغم أن مقاصدها عديمة الجدوى، بل مشحونة بالظلم والتأويل الملصق بالدين، ولو كان الدِّينُ هكذا لكفر نصف العُمانيين على الأقل.
ومن أسباب العزلة والانغلاق التي نراها اليوم في عُمان، في بدايات القرن الحادي والعشرين، منع الزواج من غير عُماني أو عُمانية، وهو قانون مجحفٌ وظالم ومستبد تُشرفُ عليه وزارة الداخلية المجحفة والظالمة والمستبدّة، وكم من أسرة تشتَت شملها بعد أن قضى عليها هذا القرار، ومَنْ يُخالِف يُحكم عليه بالرفض والانفصال والغرامة" و"منع دخول الزوج أو الزوجة حتمًا إلى البلاد" و"الفصل من الوظيفة" و … إنه أمر غريب أن تتدخل وزارة في اختيار المرء لشريك حياته؛ إنه قانون ضدَّ طبيعة الإنسان لا يقبله منطق ولا عقل ولا دين ولا أخلاق ولا إيمان ولا كفر ولا سياسة، يتدخَلُ في أخص خصوصيَّاتِ الإنسان، ويقف متربِّصًا بحُرِّيَّتِهِ وإنسانيته، وكأنَّ عليه أن يتسلح بالبغضاء كي لا يُحِبَّ شخصًا لن يعيش معه حتى لو انطبقت السماء على الأرض لأن وزارة الداخلية الموقرة لا توافق على هذا الحُب، وتسمح بالحُبِّ العُماني النَّقي فقط!، علمًا بأنَّ هناك عددًا كبيرًا من العُمانيين في الداخل والخارج أضرَّ بهم هذا القانون، وهناك أزواج كثر يعانون فداحاتِ هذا القرار الغريب العجيب الجائر، وأبناؤهم بلا أوراق ثثبت هُويَّاتِهم. ولإدراك وزارة الداخلية خطورة ما تقوم به من انتهاك صارخ لأبسط حقوق الإنسان فإنَّها تحتاط ولا تُسلم أصحاب الطلبات المرفوضة قرارها بالرفض مطبوعًا وتكتفي بإبلاغهم بالرفض شفهيا، كي لا يُتَّخذ الرفض الموثق دليل إدانة ضدها، ليس في سلطنة عُمان وإنَّما أمام العالم الحُرّ. وإمعانا في حَبْكِ القانون نجده يُسمّي نفسه قانون تنظيم الزواج من غير عُمانيين"، وهذه تسمية غامضة ومضللة لا تعطي مدلولاً واضحًا للمقصود بـ"تنظيم"، وتستثني ذوي المناصب والنفوذ والواسطة وفي أحسن الأحوال مَنْ حالفه الحظ من الرفض، وتوافق على فقط، طلباتهم هم وهذا بالتأكيد لن يكون إلا تمييزاً بينهم وبين من تُرفض طلباتهم (ويالها من طلبات، كما أنَّ القانون، أساسًا، جَوْرٌ ضدَّ من يطاله أثره المدمر، وتمييز وتدخل سافر في حُرِّيَّاتِ النَّاس وأخص خصوصيَّاتِهم التي لا دخل لها أساسًا بالدَّولة ولا بوزارة الداخلية، ولا يحزنون. وكل هذا يُثير سؤالاً عن معنى المواطنة، فما معناها يا ترى؟ إنه سؤال يجد الإجابة صعبة جدا وغامضة بل ومريبة.
تاريخ يُقرأ بـ " المقلوب"!
إِنَّ التاريخ العُماني بحاجةٍ إلى تدقيق وفحص وفرز وإعادة قراءة على نحو علمي رصين يضعُ الأمانة العلمية في الاعتبار دون مداراة أو تمجيدٍ أو تنطع أو إخفاء حقائق أو تزوير أو حذف أو انتقاء مدفوع بدواع لا يقبلها المنطق العلمي، ودون خوف أو محاباة. القول بنقيض هذا لا يُجدي لأن تاريخنا المليء بالدماء والتمييز العنصري والمتاجرة بالبشر لا يصلح لاتخاذه قدوة،
23