مدخل إلى دراسة الأدب في عمان: المصادر - المناهج - المراحل - النماذج أحمد درويش

مدخل إلى دراسة الأدب في عمان

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

-

الصحراء، والسماء، والماء، وتتحول البروق إلى ركب له حداة لا يعرف معوقات الصحراء في الحركة، ويحمل على ظهره المشتاقون، فكيف لعين مشتاق أن يلم بها الوسن؟ أما هذه «الصحراء السماء» التي تمتع البصر وتخف بالروح وتتألف منها جيوش كاملة ميدانها الأفق الرحب، فإنها توقظ السمع أيضا بزمجرة الرعود وتبلغ مداها بالفيض على الآكام والقيعان، في هذه اللحظة يجتمع طرفا الأفق القريب والبيعد في لقطة فالشاعر الذي يرى من زنجبار بداية رحلة البوارق يرى مصبها فوق ربوع «جعلان» في عمان، فتتحقق للروح التي خفت رحلتها، ويتحقق للمشهد عموميته وخصوصيته فى آن واحد، وكما بدأ المشهد بنغمة «الحادى» الصوتية الرنانة، فإنه ينتهى بروعة الألوان التي يعكسها سناء البرق على الأفق فيجتمع للمشهد أيضا طرفا السمع والبصر في لقطة واحدة. وينقلنا المشهد الثانى من رحابة الأفق إلى أفق النفس، فإذا بماء البرق الذي شأنه أن يطفئ النيران، يزيدها في نفسه اشتعالا، واذا بمائة الذي من شأنه أن يزيل الظمأ، يحيل دمع عينه إلى سحائب، لا تريد أن تتوقف عن الجريان ومن هذه اللقطة الخاصة يتولد المشهد الثالث الذي يضن بالدموع أن تروى ترابا غير تراب الوطن، فتفوح من الصورة روائح غربة حادة، تضيف إلى المشهد بعدا جديدا، وتؤجج الحنين إلى بقاع لا يكفى أن يطير اليها الفؤاد، وانما يشتاق أن يذهب اليها الرمق الذي بقى من رحلة الجسد المتعب، وهذا الرمق يقودنا بدوره إلى المشهد الرابع والأخير، الذى تسترجع فيه جوانب من تفاصيل الصورة الخاصة لحالة «البعيد - القريب» و «الملتحم - المنفصل» والصراع بين الجسد الذي رحل والروح التي بقيت، وهو صراع غلب فيه لأنه «لا يغلب القدر المحتوم إنسان». هذه اللوحة الشعرية الجيدة هى التى تمهد لما بعدها، وتستعيد تفاصيل الصبا:

من

عهدى بها ونضير العيش يصحبها والدهر في غفلة والشهب إخوان نشأت فيها وروضاتي ومرتبعى الفضيلة لارند وريحان روح ارتاح فيها إلى خل فيبهرني صدق وقصد ومعروف واحسان وتلك التفاصيل ذاتها، هي التي تجعل البعيد النازح قريبا مقيما، وتجعل ذكر

To: www.al-mostafa.com