مدخل إلى دراسة الأدب في عمان
الجزء ١ · صفحة ١٦بلوغ غاية جادة شريفة وهي تحصيل العلم، ويأخذ من خلال ذلك جواز مروره إلى أكثر الكتب جدية ووقارا، ويتحقق من خلال هذا «التنوع» النمط الشائع للكتاب العربي القديم عامة، والأدبى خاصة، وتتحقق صوره في أمهات الكتب لدى الجاحظ وابن قتيبة وابن عبد ربه وأبي حيان التوحيدي والقلقشندى وغيرهم من كبار المؤلفين على مساحة التراث الواسعة، بل أن مذاق «التنوع» هذا ليخلع أثره على الإنتاج الأدبى القديم نفسه، فنجد القصيدة في تنوعها حركة دائبة بين أغراض يحسن الشاعر القدير الربط بينها والتخلص من أحدها إلى تاليه، وتجده كذلك في فن القصص القديم حيث تتداخل حلقات السلسلة وتتوالد القصص هادفة إلى إشاعة جو المتعة من خلال «التنوع».
على أن مذاق «الوحدة» بدأ يحل في الذوق الحديث محل مذاق التنوع سواء كان ذلك في الإبداع الأدبى نفسه، أو في التأليف حول ذلك الإبداع تصنيفا أو تأريخا أو نقدا، ومن ثم جنحت القصيدة المعاصرة شيئا فشيئا إلى «وحدة» الموضوع بدلا من تنوعه، وعمدت القصة إلى وحدة الموقف في فن «القصة القصيرة» أو وحدة الحكاية فى فن «الرواية» أو وحدة الموضوع في فن المقالة» وامتد الأمر إلى فنون قديمة كالخطابة فأصبح مقدار النجاح فيها يعتمد على قدرة المتحدث فى التقاط ذوق العصر ومعالجة موضوع واحد ذي حدود
واضحة.
في نفس الاتجاه جاءت كتب تاريخ الأدب التي اتبعت المنهج الحديث، فلم تعد هذه الكتب تؤلف على طريقة البيان والتبيين أو العقد الفريد أو الأغاني، أو زهر الآداب، على أهمية هذه الكتب واعتماد المؤلفات الحديثة عليها، وإنما أصبح
أو
الكتاب «الحديث» يهتم بموضوع واحد، أو شاعر واحد، أو عصر واحد، شعراء بلد واحد. ومن خلال هذا الاتجاه تمت مؤلفات تاريخ الأدب الحديثة فكانت دراسات قضايا كالانتحال والرواية والتدوين والقصص القديم، والترجمات، وتأثير الثقافات والمذاهب، أو تأثير السياسات والظواهر الاجتماعية على الإنتاج الأدبى … الخ، وكانت دراسات الشخصيات الأدبية التي حظى بعضها بنصيب وافر كالمتنبى وأبى العلاء والجاحظ وأبي حيان وبشار وأبي نواس