مدخل إلى دراسة الأدب في عمان
الجزء ١ · صفحة ١٦٣نظم التاريخ، أن ينقل لك الحدث من ناحية، ومشاعر النظم وتعليقاته من ناحية ثانية، ويطلب اليك أن تقوم أنت بالمزج أو الصهر في نفسك، إن الشاعر الجيد هو الذي يؤدى عن قارئه هذه المهمة، ولا يترك الأشلاء متناثرة في نفسه منفصلة عنه، وقد كان أبو مسلم البهلاني شاعرا جيدا.
لديه
***
الشعر الديني يحتل عند أبي مسلم مكانة كبيرة، ولا غرو فهو قاضي قضاة زنجبار وصاحب دراسات مشهورة فى الفقة وعلوم الدين المختلفة، لكن هذا كله لا يكفى كما أشرنا من قبل إلى تكوين شاعر دينى جيد» فكم من الفقهاء الكبار أفادوا الدنيا بعلمهم وكتبوا شعرا، لم يتجاوز الإحساس به دائرة فوائد المتون، أو نظم الدعوات أو كتيبات الوعظ والإرشاد، ولكن البهلاني كان شاعرا أولا، وكانت الرحلة الروحية وتجاربها موضوعا من الموضوعات الأثيرة، وهو في طول نفسه يذكر بابن الفارض وغيره من كبار شعراء المتصوفة وتبلغ احدى قصائده وهى التائية الكبرى نحو ألف وخمسائة بيت يعدد فيها الأسماء الحسنى ويقف أمام كل منها متأملا، وغالبا ما يعمد أبو مسلم في قصائدة الدينية إلى التكرار الكثير، فيكرر الشطر الأول بكامله أو بمعظم كلماته على امتداد القصيدة كلها تكريرا يصل أحيانا إلى سبعين مرة كأن يقول في مطلع التائية: الله تسبيح فطرتى هو الله إخلاص وفي الله نزعتى الله بسم الله ذاتي تجردت وهامت بمجلى النور عين حقيقى الله الله ضاءت فأشرقت بسم بأنوار نور الله نفس هديتي هكذا نحو سبعين بيتا، ينفصل بعدها لمقطع آخر يكرر في بدايته كلمة
هو
هو
الله
ويستمر
بسم
تعلقت بالله» نحو خمسين مرة:
تعلقت بالله الذي لا إله لى سواه ولا ضاعت لديه عبودتى
تعلقت بالله العليم بموقفى وما أنا فيه من ضروب البلية تعلقت بالله العظيم الذي جرت مقاديره دون اختيار البرية
وهو تكرار يشيع في كل قصائد أبي مسلم الدينية التي تغطى ديوانا كاملا
<
ولا شك أن هذا التكرار أنسب إلى شعر السماع والترديد والتغنى منه إلى شعر القراءة الصامتة، ولعله أيضا ترديد يتجلى فى حلقات الدعاء والذكر حيث تحتفظ
162