مدخل إلى دراسة الأدب في عمان: المصادر - المناهج - المراحل - النماذج أحمد درويش

مدخل إلى دراسة الأدب في عمان

الجزء ١ · صفحة ٢٤

يدعى غموض كلام الجنوب بالنسبة له، فإن الإبعاء المقابل وارد أيضا غموض لهجة الشمال بالنسبة للجنوب، مع هذه الحقائق فإن مؤلفى القرن الثالث يشيرون إلى وجود هذه الظاهرة مما يفسر ضمور روايات شعر جنوب الجزيرة عندهم. يقول الجاحظ): وشعراء مضر يحمقون رجال الأزد ويستخفون

أحلامهم

•

قال الراجز:

لبيك بي أرفل في بجادي حازم حقوى وصدر ياد أفرج الظلماء عن سوادي أقوى لشول بكرت صوادي كأنما أصواتها بالوادي أصوات حج من عمان غاد

والجاحظ يحكى عن شعراء مُضَر، لكنه هو نفسه لا يعتقد بصحة هذه الظاهرة فهو في مواضع أخرى يدافع هو عن بلاغة أهل عمان ويورد الكثير من أخبار فصحائهم ويعلن أنه قد أجتمع لعمان من البلغاء والخطباء مالم يجتمع لغيرها وهو في مجال دفاعه فى مواطن كثيرة من كتابه، يظهر إلى أى حد كان هناك أعتقاد شائع لدى أهل الشمال، بأن خبرات أهل هذه المنطقة ليست بالدرجة الأولى، خبرات بلاغية، وإنما هى خبرات عملية، وكانت العبارة الشائعة فى هذا المجال، أن هؤلاء أقوام أعلم بالبسر والرطب منهم بالأشعار والخطب، لكن الردود التي كان يوردها الجاحظ على لسان أهل عمان في مناقشات كانت تجرى بينهم وبين أناس من البصرة أو بغداد أو دمشق، كانت تؤكد حرصهم على أن يتصفوا بالأمرين معا، فهم على علم بأمور الزراعة والرطب لكنهم يصوغون علمهم هذا في عبارات بليغة يفغر لها المعترضون على بلاغتهم أفواههم دهشة.

في هذا الإطار من المنافسة بين الشمال والجنوب لا تجد في كتب المصادر الأولى التي أشرنا إليها وغيرها، مثل طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والأغانى لأبي الفرج الأصبهاني، وهي الكتب التي كانت بدورها مصدرا لكتب أخرى كثيرة في عصرها أو فى العصور التالية لها، لا

(1) البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، جـ 1 ص 96، وانظر كذلك في نفس الكتاب حديث الحجاج بن يوسف مع مزارع من أهل عمان جـ 2 ص 223

23