مدخل إلى دراسة الأدب في عمان
الجزء ١ · صفحة ٢٦ترى تمت في العواصم الثقافية لشمال الجزيرة والشام والعراق) وهي العواصم التي استقر بها نفر كبير من أدباء الجنوب أنفسهم (وكان نصيب أدباء الشمال أو الذين استقروا فيه من الشهرة أكثر من نصيب من بقى بعيدا عن هذه العواصم في الجنوب.
إن الباحث لا يستطيع أن يفعل عند التعرض لهذه الظاهرة أسباب تأثير الدول وأولى الأمر فيها على اتجاهات الكتاب فى هذه العصور، وهي نقطة قليلا ما نلتفت إليها ونحن نتلقى الظواهر الثقافية القديمة على ما هي عليه، وليس من الضرورى لكي يتم هذا التأثير أن يتلقى الكتاب توجيها مباشرا بأن يهملوا أدب منطقة أو أدب فرد ويركزوا على أدب آخر، لكن علاقة الرعاية والتشجيع التي كان يجدها الكتاب من كبار رجال الدولة، كانت ذات أثر كبير فى هذا المجال دون شك، ويكفى أن نقرأ مثلا ما يقوله ياقوت الحموى عن علاقة الجاحظ بكبار رجال الدولة، فقد روى أن أبن الزيات أعطاه في كتاب الحيوان خمسة آلاف دينار وأعطاه أبن أبي داود في البيان والتبيين خمسة الاف أخرى، كما أعطاه ابراهيم بن العباس الصولى خمسة آلاف ثالثة في كتاب الزرع والنخل، أما الفتح بن خاقان وزير المتوكل الذى صنف له رسائله في فضائل الترك، فقد أجرى عليه راتبا شهريا كان يتقاضاه من خزانة الدولة (1)
وليس الجاحظ إلا نموذجا لعشرات الكتاب والمؤلفين فى ذلك العصر، وإذا لم تكن هذه الرعاية توحى إلى الكتاب بالخطوط الخضراء والصفراء والحمراء في مجال الأمن والسياسة، فإنها على الأقل لم تكن تشجع بعضهم على أن يهتموا بطوائف خارجة على سلطة الدولة أو فى حرب معها، ويأدب تنتجه هذه الطوائف معبرا عن آرائها التي هي بالضرورة مخالفة لبعض آراء العواصم الثقافية والسياسية، ولقد كانت منطقة عمان في معظم فترات هذه المرحلة على غير وفاق مع قواد الخلافة
(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان جـ 16 ص 79، 106، نقلا عن د. شوقي ضيف الفن ومذاهبه في النثر العربي ص 157، الطبعة الثامنة دار المعارف بالقاهرة.