مدخل إلى دراسة الأدب في عمان
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩:
محمد القرمطي
مقطع من قصة بغية الرائى
كنت متكوما في المقعد باسترخاء تام وسط غربة مظلمة بعد عناء يوم زاخر بالتعب وخوف تواءم معى منذ الصغر. الظلام الحالك التهم الأشياء المبعثرة في الغرفة التي كنت أطلق عليها غرفة النوم.
الآن لم يبق أمامي سوى مساحة كبيرة من الفضاء الأسود، وأصبحت لا أحس الا بالمقعد الذى أجلس عليه، أما ما سواه فقد تلاشى في زحمة الظلام. لم أعد أعرف الاتجاهات التي ترسم حدود الغرفة ولولا المقعد الذي يسند على الاتجاه الغربي موليا قبلته للشرق لقلت بأنني جرم معلق في السماء يدور حول نفسه كان بصرى معلقا بذلك الفضاء الموشح بالسواد، يبحث عن شيء يتعرف عليه في الغرفة. أحدق في اللاشيء، أو هكذا بدت الأمور عندى ساعتها. كان الظلام
ينحت جدارا من العزلة.
رأيت جيوشا من العناكب والنمل والجراد والخنافس تتوافد من كل صوب، تتسلق الجدار بنهم، تتكون عند نقطة رأيتها سوداء، تنخر الجدار حتى انفض عن ثقب وصلتى منه شعاع أخضر. اندلقت الحشرات في الثقب حيث غابت. كان الثقب يتسع شيئا فشيئا حتى صار رقعة كبيرة خضراء كأنها الفردوس في الافق البعيد منه بانت صبية تشبه الملكة تسرح بالخراف. على رأسها تاج
•
الفتنة وفي يدها صولجان الخوف زهور الأرض تحتضن صمتها بينما الكبش المراوغ والشاة الخجلي يتآمران وكانت الصبية تداعب الحمل الذى انفصل عن أمه، يمارس جنون العدو والقفز الطفولي، تربت على رأسه وعنقه ثم انحدرت يدها بين عينيه حتى لامست أصابعها شفتيه، والحمل في استسلام المتعطشين
288